لا بد للإنسان من أصحاب وقرناء يجتمع بهم ويقضي كثيرًا من أوقاته في صحبتهم، فاغتنم صحبة الأخيار الذين لا تعدم من صحبتهم علمًا تتعلمه، أو نصيحة تنتفع بها، أو اشتغالًا بما يقرِّب إلى الله. وأقل ما في ذلك: السلامة من التَّبِعات القولية والفعلية، مع أنك آمن من سخريتهم، وهمزهم، ولمزهم، حاضرًا أو غائبًا، مع الفائدة العظيمة، وهي أن الرغبة في قلبك للخير تزيد وتنمو، وداعية الشر تضعف أو تضمحل، فالمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل، مع ما يحصل لك من ثناء الناس، وحسن السمعة؛ فإنهم يعتبرون الناس بقرنائهم، فيحق للمرء أن يفخر بصحبة الأخيار، وإياك وصحبة الأشرار؛ فإنهم بضد ما ذكرنا.
فالجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يُحذيك، أو تجد منه رائحة طيبة، والجليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرقك، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة، والله أعلم.
فصل في نبذة يسيرة من آداب المتعلمين والمعلِّمين
الآداب المشتركة يتعيَّن على أهل العلم على وجه الخصوص أن يجعلوا أساس أمرهم في تعلمهم وتعليمهم الإخلاص الكامل، والتقرُّب إلى الله بهذه العبادة التي هي أجلّ العبادات وأفضلها، وتستغرق من عمر العبد جَوْهَرَه وصَفْوَه، ويتفقَّدوا هذا الأصل في كل دقيق وجليل من أمورهم، فإن درسوا أو دارسوا، أو بحثوا أو ناظروا، أو أسمعوا أو استمعوا، أو جلسوا مجلس علم، أو نقلوا أقدامهم لمجالس العلم، أو كتبوا، أو حفظوا، أو كرَّروا دروسهم الخاصة، أو راجعوا عليها أو على غيرها الكتب الأخرى، أو اشتروا كتبًا، أو ما يعين على العلم، كانوا في ذلك كله محتسبين ليتحقَّقوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة» [1] .
(1) - رواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر. حديث رقم: (2699) 3/ 2074.
وقد جاء نحوه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عند أحمد والدارمي وأبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان.