قد تقدم من الأدلة على هذا الأصل الكبير في دعوة القرآن إلى الإصلاح والصلاح، وفي طريقته في محاجَّة أهل الباطل، وفي سياسته الداخلية والخارجية، ما يدل على هذا الأصل، ويُعَرِّف الخلق أن العصمة من الشرور كلها التمسك بهذا القرآن، وأصوله، وعقائده، وأخلاقه، وآدابه، وأعماله [1] ،
(1) - من هذا الموضع إلى آخر القاعدة من النسخة (ب) تغيَّرت الصياغة، وإن كان المضمون واحدًا، ولتمام الفائدة نقلت كلام المؤلف في النسخة الأخرى، حيث قال:
«فأعظم أهل الشر: أهل التعطيل: المنكرون ما سوى المحسوسات، المنكرون للخالق وأديان الرسل، وما أخبر الله به وأخبرت رسله، وفي القرآن من البراهين والحجج المتنوعة ما يبطل قولهم، ويضمحل معه مذهبهم، ويتبيَّن للعقلاء أنهم مكابرون في إنكار أظهر الأشياء وأجلاها.
ومنهم أهل الشرك بالمخلوقات وتسويتها بالرب في شيء من الصفات والنعوت، أو الحقوق الخاصة لله.
وفي القرآن من إبطال الشرك ووجوب التوحيد، وإقامة البراهين على تفرُّد الله تعالى بالوحدانية وصفات الكمال، وأنه لا يستحق العبادة سواه، ولا أحد يساويه في وصف ولا حق من الحقوق ما يكفي بعضه لإزهاق قولهم.
ومنهم المنكرون للأنبياء من الأميين والملحدين وغيرهم. وفيه من الحجج والبراهين على إثبات رسالتهم، والآيات والخوارق الدالة على صدقهم، والأوصاف والنعوت التي = =اتصفوا بها ما يدل أكبر دلالة على أنهم رسل الله حقًا، وأنهم أصدق الخلق وأكملهم في كل صفة كمال، وأفضلهم في كل فضيلة.
ومنهم المفرِّقون بين الأنبياء والكتب، الذين يزعمون أنهم يؤمنون ببعضهم ويكفرون بغيره، وفي القرآن حجج وبراهين كثيرة تدل على إبطال قولهم، وأنهم متناقضون متهافتون في إثباتهم ونفيهم، وأن الإيمان الحق، والحق الصريح: الإيمان بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله الله، وأن الحق والصدق، والعلم واليقين، يجب الإيمان به، والاعتراف به، حيثما كان، ومع من كان، وليس ذلك بالدعاوى والأماني.
ومنهم الإباحية والشيوعية، الذين هم فساد الأديان، والملك، والدنيا والآخرة. والقرآن كفيل بإبطال قولهم بما فيه من العقائد، والبراهين، ووجوب التحلي بالأخلاق الجميلة، والتخلي من الأخلاق الرذيلة، وإيجاب الحقوق المتنوعة بين طبقات الناس، ووجوب الزكوات، وإنقاذ المضطرين، وغيرها من الأحكام. فكل هذا سدٌ محكم يمنع نفوذ هؤلاء المفسدين، ويُبطل شرهم، ويُزهق حجتهم.
ومنهم أهل البدع، على اختلاف مذاهبهم وتنوع أقوالهم. وفي القرآن من البراهين ووجوب التمسك بما عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم من أصول الدين وفروعه، ووجوب رد المتشابه إلى المحكم والاعتصام بحبل الله ودينه ما يبطل قولهم ويكسر شوكتهم.
ومنهم أهل التحزب والتشيع، وتفريق المسلمين، وتمزيق وحدتهم. وفي القرآن من الحث على الاعتصام بحبل الله، والحث على الألفة، والنهي عن التفرق، والإخبار بأنه طريق أهل الضلال والغضب، والتحذير من أحوال هؤلاء، ووجوب لزوم الأصول العامة الكلية ما يقمع شرهم، ويبيِّن شناعة طريقتهم.
ومنهم أهل الفساد، المنتهكين للدماء والأموال والأعراض. وفي الآيات القرآنية من قمعهم وإقامة الحدود عليهم، والزجر عن طريقتهم، والمواعظ والزواجر ما يقمعهم ويردعهم ويخفف شرهم، فكل صاحب شر وفساد إنما سلطته ووصول شره على من لم يعتصم بالقرآن وخرج من هذا الحصن الحصين الذي من دخله كان من الآمنين من كل شر وضرر، وهو القاهر لكل باطل قاومه في كل الأمور».