فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 27

(( عجبًا لأمر المؤمن إن أمرَه كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضرَّاء صبر، فكان خيرًا له ) )، وهم قليل! فاليَقَظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر، والصلة بالله في الحالين هي وحدَها الضمان" [1] ."

لأنها: تشغل القلب عن التبصُّر والاعتبار، وتدفع الناس إلى الغرق في لُجَّة اللذائذ القريبة المحسوسة، وتَحجب القلب عما هو أرفع وأعلى، وتغلظ الحسَّ؛ فتحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة، ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان واستخلافه في الأرض.

لأنها: قلية الوفاء، كثيرة الجفاء، خسيسة الشركاء، فمن استحضرت نفسه ذلك وتمَّ عقله وحضر رشده، تركها لأهلها، ومن أعجب ما قال شيخ الإسلام أبو عبدالله بن القيم في مَعْرِض كلامه عن خلق دارين: الجنة والنار، قوله: فهاتان الداران هما دارَا القرار، وخلق دارًا ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزوَّد المسافرون إليهما، وهي دار الدنيا، ثم أخرج إليها من أثمار الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابِهما، وما يستدل به عليهما، حتى كأنهما رَأْي عين؛ ليصير للإيمان بالدارين - وإن كان غَيْبًا- وجه شهادة تستأنس به النفوس، وتستدلُّ به، فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور الجميلة وسائر ملاذ النفوس ومُشتهاها - ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كلَّه فيها على وجه الكمال، فإذا رآه المؤمنون ذكَّرهم بما هناك من الخير والسرور والعيش الرخي، كما قيل:

فإذا رآك المسلمون تيقَّنوا = حُورَ الجِنان لدى النعيمِ الخالدِ

فشمَّروا إليها، وقالوا: اللَّهم لا عيش إلا عيش الآخرة، وأحدثت لهم رؤيتُه عزمات وهممًا وجدًّا وتشميرًا؛ لأن النعيم يذكر بالنعيم، والشيء يذكر بجنسه، فإذا رأى أحدهم ما يعجبه ويروقُه، ولا سبيل له إليه، قال: موعدُك الجنة، وإنما هي عَشِيَّة أو ضحاها.

فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمةٌ من الله يسوق بها عباده المؤمنين إلى تلك الدار التي هي أكمل منها، وزَادٌ لهم من هذه الدار إليها، فهي زادٌ وعبرة ودليل، وأثر من آثار رحمته التي أودعها تلك الدار، فالمؤمنُ يهتزُّ برؤيتها إلى ما أمامه، ويثيرُ ساكنَ عزماته إلى تلك، فنفسه ذوَّاقة توَّاقة، إذا ذاقت شيئًا منها، تاقت إلى ما هو أكمل منه؛ حتى تَتوقَ إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم.

(1) قاله أديب الإسلام سيد قطب؛ في ظلال القرآن (4/ 2377 - 2378) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت