لأنها: الداء العضال الجالب لكل شرٍّ، والسالب للنعم، والزارع للعداوة، والغارس للحزازات؛ حتى تزول الجبال الرَّاسيات، ولا تزول إلى أن تحصل خسارة الدنيا والآخرة؛ ومن ثَمَّ وجب على العاقل الأخذُ من الدنيا بمقدار الحاجة.
لأنها: لو تمكَّنت من القلب زاحمت حبَّ الله رب العالمين؛ وذلك لأن اتباعَ حظوظ النفس يُبعد عن الله تعالى؛ لما فيه من الانشغال عما أراده الله تعالى من الخلق، كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
وتأمل معي - أيها القارئ الكريم - قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرةُ نيتَه، جمع الله له أمرَه، وجعل غناه في قلبه، وأتَتْه الدنيا وهي راغمة ) ) [1] .
لأنها: لا يقوم لها كل أحد،"إن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر، ولكن القلَّة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير، كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، ولكنَّ قليلين هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة، ويكبحون جماحَ القوة الهائجة في كيانهم، الجامحة في أوصالهم."
كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان؛ فلا تتهاوَى نفوسهم ولا تذل، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان، وما يغريانِ به من متاع، وما يثيرانه من شهوات وأطماع!
كثيرون يصبرون على التعذيب والإيذاء فلا يخيفهم، ويصبرون على التهديد والوعيد فلا يرهبهم، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الإغراء بالرغائب والمناصب والمتاع والثَّراء!
كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، ولكن قليلين هم الذين يصبرون على الدَّعَة والمراح، ثم لا يصابون بالحرص الذي يذلُّ أعناق الرجال، وبالاسترخاء الذي يُقعِدُ الهِممَ ويذلل الأرواح!
إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء، ويستحثُّ المقاومة، ويُجنِّد الأعصاب، فتكون القُوَى كلها معبأة لاستقبال الشدة والصمود لها.
أما الرخاء، فيرخي الأعصاب ويُنيمها، ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة؛ لذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدة بنجاح، حتى إذا جاءهم الرخاء، سقطوا في الابتلاء! وذلك شأن البشر، إلا من عصم الله فكانوا ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) رواه أحمد في المسند (21590) ، والترمذي (2465) وصححه الألباني في الجامع.