أما قوله: فمن جعل للمقام حدًا من الأيام إما ثلاثة، وإما أربعة، وأما عشرة، وإما اثنى عشر، وإما خمسة عشر، فإنه قال قولًا لا دليل عليه من جهة الشرع، وهي تقديرات متقابلة.أ.هـ.
قلت: لا نسلم بنفي الدليل من الشرع عن كل هذه الأقوال، كما لا نسلم أن هذه الأقوال يرد بعضها بعضًا. لتعارضها، وتقابلها، لأن التحديد بها جاء نتيجة للجمع بين الأدلة، وقد أخذ كل عالم بواحد منها، لأنه هو الذي أداه إليه اجتهاده.
وأرى أن الصواب هو القول بتحديد ذلك بثلاثة أيام تامة ماعدا يومي الدخول والخروج (1) ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة بعد الفجر من اليوم الرابع ورحل إلى منى ضحى اليوم الثامن، فهو قدم أقام خمسة أيام بيومي الدخول والخروج، ثلاثة تامة، ويومان ناقصان وهذا القول نتيجة للجمع بين الأدلة، وذلك أن القصر لا يجوز إلا لمن ضرب في الأرض، فمفهوم ذلك أن من توقف ضربه، فقد امتنع قصره، لأنه لما فقد الشرط فقد المشروط.
فلما ثبت قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام حجة الوداع، وهو مقيم في الأبطح إقامة مقصودة: معلومة البداية، ومعلومة النهاية، قلنا بجواز القصر في هذه المدة لوجود المخصص لها من حكم الإقامة، أما ما زاد على هذه المدة فلم يثبت فيها مخصص. ولا يصح أن يقال بأن ما ثبت في الثلاثة يثبت فيما زاد عليها، لأن هذا الحكم إنما ثبت عن طريق الفعل لا القول، فلا يعم ذلك، لما تقرر في علم الأصول من أنه لا عموم للأفعال.
فعلى هذا فلا يصح التسوية بين الثلاثة الوارد فيها المخصص، وبين ما زاد عليها لعدم ورود المخصص.
(1) إنني كنت أتحدث في جميع مواضيع هذا البحث السابقة واللاحقة على أن المدة أربعة أيام وذلك مجاراة لكلام كثير من أهل العلم، وهو على سبيل التنزل في الخطاب لا على أنه تحديدا لما أراه. والله الموفق.