الصفحة 52 من 114

وبهذا يمكن الرد على شيخ الإسلام حينما نفى ثبوت الدليل على وجوبها على من لا تنعق به، ثم إنه قد أشار في موضع آخر إلى مثل ما قلت، فقال - رحمه الله - وكذلك يحتمل أن يقال بوجوب الجمعة على من في المصر من المسافرين، وإن لم يجب عليهم الإتمام، كما لو صلوا خلف من يتم فإن عليهم الاتمام تبعًا للإمام، كذلك تجب عليهم الجمعة تبعًا للمقيمين.

ثم قال: والمقيم هو المستوطن. ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة، وهؤلاء تجب عليهم الجمعة، لأن قوله: { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ } ونحوها يتناولهم، وليس لهم عذر، ولا ينبغي أن يكون في مصر المسلمين من لا يصلى الجمعة، إلا من هو عاجز المريض والمجنون، وهؤلاء قادرون عليها، لكن المسافرين لا يعقدون جمعة لكن إذا عقدها أهل مصر صلوا معهم، وهذا أولى من إتمام الصلاة خلف الإمام المقيم (1) .

فأرى أن كلامه هذا كاف في الرد على كلامه السابق، فيكون له في المسألة قولان، أو تراجع عن قوله السابق والله أعلم بالصواب.

اعتبر - رحمه الله - من كان معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا، فهذا لا يقصد ولا يفطر (2) .

فهو هنا أعطى هذا النوع من المسافرين أحكام المقيمين من حيث الاتمام والصيام، ولا يرى وجوب الجمعة عليهم، لعدم سماعهم النداء وعدم حضورهم أمصار المسلمين، فهو قد اعتبر استدامة السفر مخرجة للمسافر من أحكامه، ولذا أعطاه أحكام المقيمين، وليست استدامة الإقامة مخرجة للمقيم عن أحكامه. فثبت بهذا تقسيم المسافر إلى قسمين: مسافر له أحكام السفر، ومسافر له أحكام المقيمين غير المستوطنين، فهذا يدل على عدم صحة نفي تقسيم الناس إلى قسمين. حيث أعطى مستديم السفر أحكام المقيمين غير المستوطنين. والله أعلم.

(1) الفتاوى 24/184.

(2) الفتاوى 25/213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت