فمعناه فرض الله أقل أعداد هذه الصلوات، إذ لا يجوز أن تصلى هذه الصلوات بأقل من هذه الأعداد، أما الزيادة عليها، فلكل صلاة حكمها، إذ لا تجوز الزيادة على صلاة الحضر لقيام الأدلة على حصرها بهذا العدد، أما صلاتا السفر والخوف، فيجوز الزيادة لقيام الدليل من الكتاب والسنة على جواز الزيادة، وبهذا التوفيق ينسجم كلام ابن عباس مع بقية الأدلة. والله أعلم.
الدليل الرابع: ما رواه عن أنس بن مالك الكعبي - - رضي الله عنه - - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم"قال الترمذي: حديث حسن (1) .
وجه الدلالة:
أن وضع شطر الصلاة كوضع الصيام، لدخولهما تحت دلالة لفظ واحد، ومن المقرر لدى جمهور أهل العلم جواز الصيام في السفر لفعل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - فكان إتمام الصلاة لا يجوز، لأن مقتضى الوضع في الحديث التخفيف لا الحتم. والله أعلم.
3-مشروعية القصر في القرآن
ورد الإذن بالقصر في القرآن لمن كان ضاريًا في الأرض في آية واحدة وهي قوله تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا } (2) .
فهذا القصر قد قيد بشرط الخوف من الكافرين، كما دل عليه، مفهوم الشرط الثاني المذكور في الآية.
وقد اختلف أهل العلم في تحديد هذه الصلاة المقصورة، فقيل المراد بها صلاة الخوف، وقيل: بل المراد بها صلاة السفر.
وأرى أن كلتا الصلاتين مرادة في الآية، لأن لفظ القصر يحتمل ذلك، فهو يحتمل قصر عدد الركعات كما في صلاة السفر، كما يحتمل قصر الهيئات كما في صلاة الخوف، وليس صريحًا في أحدهما دون الآخر.
(1) سنن الترمذي: باب ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى 2/109. نصب الراية 2/190.
(2) سورة النساء: الآية 101.