وتلك غاية نبيلة وهدف سام تقصر دونه مطامع كثير من الناس. لقد نص القرآن الكريم في ختام آية الصيام {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} على أهم خصائص الصيام وحكمته وأبان أنها الحكمة والغاية من الأديان كلها وأنها أخص خصائص الشريعة الإسلامية وهي التقوى التي تعني صيانة النفس من نوازعها وشهواتها وهي جماع الأمر كله يقول الحق تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [1] .
ويقول تعالى: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] [2] .
يقول سيد قطب ـ رحمه الله ـ ( ... وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم إنها التقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة طاعة الله وإيثارًا لرضاه، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية ولو تلك التي تهجس في البال. والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله ووزنها في ميزانه فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم. وهذا الصوم أداة من أدواتها وطريق موصل إليها ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفًا وضيئًا يتجهون إليه عن طريق الصيام [لعلكم تتقون] ... ) [3] .
ولو لم يكن في شهر الصوم إلا أنه أحد أركان الإسلام التي لا يتم إسلام المرء إلا بها؛ ثم إنه العمل الذي اختصه الله لنفسه من بين عمل ابن آدم كله؛ وأن فيه ليلة أفضل من ألف شهر فيما سواه؛ وأنه الشهر الذي اختصه الله بنزول القرآن، أقول: لو لم يكن في شهر الصوم إلا هذه الأمور لكفاه شرفًا ومنزلة، يقول تعالى: [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن من الهدى والفرقان] [4] .
ويقول تعالى: [ليلة القدر خير من ألف شهر] [5] .
(1) سورة البقرة: الآية 21.
(2) سورة الذاريات: الآية 56.
(3) في ظلال القرآن جـ 2 ص 75.
(4) سورة البقرة: الآية 185.
(5) سورة القدر: الآية 3.