قال الله عزّّ وجل: { يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } [ البقرة / 182 ]
قال ابن كثير- رحمه الله -: يقول الله تعالى مخاطبا للمؤمنين من هذه الآية وآمرا لهم بالصيام وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع , بنية خالصة لوجه الله عز وجل لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرذيلة , وذكر كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيه أُسوة , وليجتهد هؤلاء في هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك , كما قال تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولوشاء الله لجعلكم أُمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات } الآية [ المائدة /48 ] ولهذا قال هاهنا { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } [ البقرة / 82 ] لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان , ولهذا ثبت في الصحيحين ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) .
وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ,قال الله عز وجل إلا الصيام فإنه لي , وأنا أُجزي به إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي , للصائم فرحتان فرحة عند فطره , وفرحة عند لقاء ربه , ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك . ) ) فدل هذا الحديث على أن الأعمال كلها تضاعف بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف , إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد بل يضاعفه الله عز وجل أضعافًا كثيرة بغير حصر فإن الصيام من الصبر , وقد قال الله عز وجل: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [ الزمر / 10 ] قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفأً, وقال ابن جريج بلغني انه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط , ولكن يزادون على ذلك .