لأنهم عرفوا أن هذا الموقف -الذي هو موقف عرفة - هو موقف الحج الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-:"الحج عرفة" (1) والذي أخبر أن الشيطان يكون فيه صغيرا حقيرا، فقال:"ما رئي الشيطان أصغر ولا أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة" (2) ؛ وذلك لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، حيث إن الله سبحانه وتعالى يطلع على عباده في ذلك الموقف، وكلهم قد كشفوا رءوسهم، وقد رفعوا أيديهم متضرعين إلى الله، يدعونه بخشوع وخضوع وتواضع، فيباهي بهم الملائكة، ويقول:"انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق؛ يسألون حوائجهم، أشهدكم أني قد غفرت لهم ووهبت مسيئهم لمحسنهم، انصرفوا مغفورا لكم" (3) .
لا شك أن هذا يدل على عظمة هذا الموقف الذي يُظهر فيه المسلم الاستكانة والتواضع والتذلل لله، يظهر فيه الفقر والفاقة، ويظهر فيه المسكنة، والحاجة الشديدة إلى ربه، وأنه فقير إلى ربه في كل حالاته، لا غنى له عن ربه طرفة عين، فمتى كان الحجاج على مثل هذه الحالة رحمهم الله تعالى وتقبل حجهم.
ولكن من المؤسف أن الكثير لا يتصفون بصفة العبودية، ولا يتصفون بصفة الذل والخضوع، ولا بصفة الخشوع والتواضع، ولا رفع أكف الضراعة، إلا ما شاء الله ولا نقنط من رحمة الله.
(1) أخرجه الترمذي (889) والنسائي 5/256 من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه.
(2) رواه مالك في الموطأ ووصله الحاكم.
(3) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (2840) ، والبغوي في شرح السنة (1931) من حديث جابر -رضي الله عنه- وانظر مسند أحمد (2/305) .