لا شك أن مناسك الحج كلها عبادة لله تعالى، وتعظيم لشعائره، فالحجاج مدة مقامهم بمكة مأمورون بذكر الله وشكره، وحسن عبادته، فهم بعد أن يقْدُموا مكة قد يتحللون من إحرامهم إن كانوا متمتعين، وينشغلون بعد التحلل بأنواع من العبادة: كالطواف تطوعا، والصلاة في المسجد الحرام وكثرة الذكر، والتكبير المطلق في الأيام المعلومات، وهي أيام عشر ذي الحجة، امتثالا لقوله تعالى: ? وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ? [ سورة الحج، الآية: 28 ] .
ولا شك أن ذلك مما يزيدهم إيمانا وتقوى، ويحبب إليهم الطاعة وأنواع العبادة، ويكرّه إليهم المعاصي والمخالفات، فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، أحرموا بالحج، بعد أن تمتعوا بتناول المباحات بين العمرة والحج، وأعطوا أنفسهم بعض شهواتها التي تستعين بها على الطاعة، وتعرف بها تمام نعمة الله تعالى؛ فبعد أن جددوا الإحرام في هذا اليوم، تقربوا إلى ربهم مرة أخرى بترك هذه المباحات، وفطموا أنفسهم عن هذه المشتهيات، وجددوا التلبية، رفعوا أصواتهم بالإهلال، متذكرين ما شُرع لأجله هذا الإحرام، متفكرين في حالهم وما يعملونه فيما بعد.
ثم في ذلك اليوم يتوجهون إلى منى وهي أحد المشاعر التي تؤدى فيها بعض مناسك الحج، ويقيمون فيها ذلك اليوم والليلة التي تليه، وهي ليلة عرفة وفي هذا المكان يشتغلون بالذكر والتكبير والتلبية، والدعاء والابتهال، وهو أول أيام سفرهم إن كانوا من أهل مكة ؛ ولذلك يصلون في هذا المكان الصلوات الخمس في مواقيتها،ويقصرون الرباعية، ويبدءون بالتلبية بعد كل صلاة.