فقط, كنت مجتهدا في الدراسة وأعلم أني خرجت من أجلها وأن الله لن يضيع كل تلك الجهود المبذولة من قبل والدتي الحبيبة التي انتظرت بفارغ الصبر أن تسمع مني أي خبر, وتعمدت عدم الكتابة لها حتى تستقر الأمور أولا, وشاء الله أن أنجح في المقابلة, وبدأت فورا في الدراسة الشرعية في معهد اللغة العربية التابع للجامعة, وانفصلت عن العلوم العصرية.
عملت الكثير من الصداقات ومن كل أنحاء العالم. من موريشويس وفيجي وإندونيسيا وتيلاند وماليزيا وبنغلاديش وباكستان ومن أفغانستان, كان صاحبي الأفغاني عبد الجبار من شمال أفغانستان وكان يحدثني عن الجهاد والمقاومة وعن المجازر التي ارتكبتها القوات السوفييتية وهذا الشاب ينتمي للحزب الإسلامي حكمتيار, أما أعز أصدقائي فكانوا من الفيجيين, وقد أحبوني كثيرا بسبب اجتهادي في الدراسة, وأنا أتفنن في العلاقات الأخوية مع الأخرين وقلبي مفتوح دائما للآخر مهما كان, فقد خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف, ولو كان ذلك الصديق كافرا فسأعامله بالرفق, فالأصل في العلاقة بيننا هي الرفق اولا والتعامل بالحسنى, (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم مودة) , وإذا تغيروا ونصبوا العداوة ضدنا, عندئذ تتغير العلاقة إلى حرب مماثلة, ومبينة على الكراهية, فلا يجب أن يكره الإنسان بسبب عرقه أو لونه وما إلى ذلك, فالعلاقة الإنسانية لا يجب ان تصنعها الالوان, فنبقى آدميين حتى لو قاتلنا بعضنا بعضا, فأنا لا أحقد على أي أحد الا الذين اعتدوا، وكل ما نتمناه أن ننقذه من النار.
كنت كثير المزاح مع أصدقائي, وحاولت تعلم مداخل لغاتهم لإدخال السرور في قلوبهم عندما نتقابل جميعا, وبدون مبالغة كانت تلك الفترة من أسعد فترات الحياة, فلدى أصدقاء الدراسة والتكاتف والحب والإيثار, وفعلا كنا في جهاد لطلب العلم, كنت أسكن في شقة واحدة مع زملاء من ماليزيا وكانت الحياة بسيطة جدا, كنا نفطر لحسابنا أما الغداء والعشاء فعلى حساب الجامعة, وخصص لنا مطابخ لطهو طعامنا إن أردنا, كانت ساعات الراحة محدودة وأوقات النوم ملزمة, فلا يمكن الخروج والنوم خارج الجامعة إلا بإذن مسبق, فقد كانت داخلية ممتازة جدا ولم أشعر بأني غريب أبدا, ومديرنا هو شيخ الحديث في بلاد الهند والسند ومن مناصري الصحيحين, فهناك أناس بدأوا بتشكيك في صحة بعض الأحاديث فيهما, ويكفينا شرفا أن الإمام البخاري قد حفظ كتاب الله قبل العاشرة ولم يعبه أحدا في ذلك, فلما يهاجم في صحيحه؟ , إن هذا الإمام قد رأى رؤية عجيبة هي التي دفعته إلى حفظ سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم, فقد رأى في المنام أنه يسير وراء الرسول صلى الله عليه وسلم ويضع خطاه في موضع خطى النبي صلى الله عليه وسلم, وقد فُسّرت له أنه سيحفظ سنته, وعاش في زمن ما بعد التابعين, وفي القرون المفضلة بإجماع الأمة المسلمة, لم يشكك أهل الفضل في كتابه, فلماذا يشكك من لا يعرف أركان الوضوء في كتابه؟ , ومن يشكك في البخاري هو يسعى للتشكيك في الدين, وسيفشل في مسعاه إن شاء الله, لأن كلام الرسول وحي وهو محفوظ بإذن الله, وكل من يقرأ التاريخ الصحيح يعلم أن الصحيحين ظهرا في