9 ـ بَاب مُهَلِّ أَهْلِ الشَّامِ
1429 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عنهمَا قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا (1)
(1) هذا الحديث فيه زيادة عن ما سبق وهو التصريح بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقت لأهل اليمن يلملم ، وفيه أيضًا مما زاد أن هذه المواقيت لأهل هذه البلدان ولمن أتى عليهن من غير أهل هذه البلدان ، ولا يخفى أن في هذا تيسيرًا على المُكلف ، وإلا لقلنا أن المدني إذا جاء من طريق نجد وجب عليه أن يذهب إلى ذي الحليفة ولقلنا إذا جاء من نجد أحد مارًا بذي الحليفة وجب عليه أن يُحرم من قرن ، وفي هذا لا شك مشقة ، ولذلك كان من أتى على هذه المواقيت من غير أهل هذه البلاد يُحرم منها تيسيرًا على المُكلف .
ولكن هل إحرامه منها رخصة أو عزيمة ؟ أكثر العلماء على أنها عزيمة وأنه لا يجوز أن يتجاوز الميقات إلا مُحرمًا وإن لم يكن من أهلها ، وهذا هو ظاهر الحديث . وقيل إنه رخصة وأن الإنسان لو أخّر الإحرام إلى ميقاته الأصلي فلا حرج . وهذا مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . وينبني على هذا مسألة مهمة وهي أن الإنسان لو ذهب في الطائرة من القصيم يريد الحج أو العمرة ، ثم لم يُحرم من محاذات ذي الحليفة حتى وصل إلى جدة ، فعلى قول من يقول إن التوقيت لمن مر عليهن من غير عزيمة نقول: إذا أردت أن تُحرم الآن ترجع إلى ذي الحليفة ، وعلى قول من يقول إنها رخصة وأنه يجوز أن لا يحرم من الميقات الأصلي نقول اذهب إلى قرن ، وهذا فرق واضح . ولكن ظاهر النص أنه فرض وليس برخصة أن من مر بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة لابد أن يُحرم .
ومن فوائد هذا الحديث أنه لا يلزم كل من مر بهذه المواقيت أن يُحرم منها إذا كان لا يريد الحج أو العمرة ، لقوله: ( ممن يريد الحج أو العمرة) فإذا قال قائل: كلمة ( ممن يريد ) لا تدل على عدم الوجوب إذا دل النص على الوجوب لأنك تقول للشخص: إذا أردت أن تُصلي فتوضأ . هل نقول إن الصلاة تحت الإرادة إن شاء صلى وإن شاء لم يصلي ؟ لا .. فالجواب: أن نقول لا دليل على وجوب تكرار الحج والعمرة بل الدليل يدل على أنه مرة واحدة ، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال: (( إن الله فرض عليكم الحج ) )قام الأقرع بن حابس ، وقال: أفي كل عام يا رسول الله ؟ قال: (( الحج مرة فما زاد فهو تطوع ) )وهذا نص صريح ، وعلى هذا فلا نُلزم عباد الله بما لم يلزمهم ، فمن ذهب على مكة لتجارة أو طلب علم أو زيارة مريض أو عيادة مريض أو أي شغل وهو قد أدى الفريضة فإن شاء أحرم وإن شاء لم يُحرم سواء طال عهده بمكة أو قصر .
وأما قول العوام إذا كان بينه وبين نسكه الأول أكثر من أربعين يومًا وجب عليه أن يُحرم وما كان دون ذلك فلا يجب . فلا أصل له ، الصواب الذي تطمئن إليه النفس هو أن من أدى الفريضة فإنه لا يلزمه أن يُحرم ولو مر بالمواقيت ، والحديث هنا صريح: ( لمن يريد الحج والعمرة ) والواو هنا بمعنى أو ، يعني أو العمرة ، وليس المعنى ممن يريد القران ؛ لأنه لو أخذنا بظاهرها لكان المعنى ممن يريدهما جميعًا ، وليس كذلك بل من يريد الحج أو العمرة .
ومن فوائد هذا الحديث أن من كان دون المواقيت ، يعني أقرب إلى مكة من المواقيت فإنه يُحرم من مكانه ولا يلزمه أن يذهب إلى الميقات ، وهذا من التيسير ، ومثل ذلك من تجاوز الميقات لا يريد الحج ولا العمرة ثم بدا له بعد ذلك أن يحج ويعتمر ، نقول أحرم من حيث بدا لك ، لأنه في بعض روايات الحديث: (( فمن حيث أنشأ ) )ومعلوم أن الإنسان قبل النية لم يُنشئ ، فإذا قُدر أن شخصًا تجاوز الميقات ميقات ذي الحليفة حتى وصل إلى جدة وهو لا يريد الحج ولا العمرة ، ثم بدا له أن يحج أو يعتمر فإنه يحرم من إيش ؟ من مكانه من حيث أنشأ .
فإذا قال قائل: إذا مر الإنسان بهذه المواقيت يريد أهله وهو عازم على أن يحج عامه أو يعتمر ؟ مثاله: رجل من أهل جدة مر بذي الحليفة في شعبان وهو يريد أن يعتمر في رمضان ، هل يلزمه أن يُحرم أو لا يلزمه ؟ فالجواب: لا يلزمه ؛ لأن الرجل ذهب إلى أهله لكنه ناوٍ أن يعتمر في رمضان ، وكذلك لو كان بعد رمضان ذهب إلى أهله وهو يريد أن يحج هذا العام لا يلزمه أن يُحرم ؛ لأنه يريد أهله وإذا جاء وقت الحج أحرم به .
ومن فوائد هذا الحديث أن ظاهره أن أهل مكة يُحرمون بالعمرة من مكة ، وقد أخذ به بعض العلماء ، ولكنه قول ضعيف والصواب أنه لابد أن يخرج أهل مكة إلى أدنى الحل ، إما عرفة أو التنعيم أو من الجهة الغربية . المهم لابد أن يخرجوا إلى الحل ، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر عائشة أن تخرج إلى التنعيم ولم يأذن لها أن تُحرم من مكة . فإذا قال قائل ـ وقد قيل ـ: إن عائشة آفاقية . قلنا لا فرق بين الآفاقي وغيره ، والدليل على هذا أن الصحابة الذين حلوا من عمرتهم من أين أحرموا بالحج ؟ من مكة ، ولم يقل لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أنتم لستم من أهل مكة فاخرجوا إلى التنعيم ، ثم ما معنى العمرة ؟ العمرة هي الزيارة ، وإذا كانت هي الزيارة فلا بد أن يكون الزائر من غير بيت المزور ، فإذا كنت تريد أن تعتمر والعمرة محلها الحرم فلا بد أن تأتي من خارج الحرم .
فإذا قال قائل: إذًا كيف تقولون إن أهل مكة يحرمون بالحج من مكة؟ قلنا: نقول هذا لأنهم سوف يقدمون من الحل للطواف والسعي ، أين الحل ؟ عرفة . فلا ينتقد هذا التعليل . والصواب عندي المتعين أنه لا يجوز لأحد في مكة أن يُحرم بالعمرة من مكة ؛ لأن حقيقته إذا أحرم من مكة حقيقته أنه طاف وسعى وقصر فقط ولم يأت بعمرة .
ومن فوائد هذا الحديث قوله: ( أهل مكة ) هل يقاس على أهل مكة من كان من غير أهل مكة ولكنه في مكة ؟ الجواب: نعم ، بل هذا لا قياس فيه في الواقع ، جاء به النص ، فإن الصحابة الذين حلوا من عمرتهم في حجة الوداع كلهم أحرم من أين ؟ من الأبطح في مكة .