المناسك، وبهذا نجد أن في نفس هذا الحديث وفي ذات أحرفه ما يقوي القولَ بأن النظر في تمييز الواجب من المستحب هو راجع إلى متابعة أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج فإن فيها البيان، هذا مع تسليمنا بأن الفعل لا صيغة له وإنما نستفيد ذلك من دلالة هذا الحديث العام في الحث على متابعتها، وعلى ما جاء في النصوص في محال هذه الأفعال ووجه تفسيرها.
التنبيه الثاني:
مما يؤكد أنه ليس في ظاهر هذا النص ما يفيد إيجاب جملة أفعاله عليه الصلاة والسلام في الحج، أن ابن حزم الأندلسي مع صرامته الظاهرية البحتة فإنه لم يقع منه الاستدلال به على وجوب أشياء في الحج، بل قد مشى في كتابه"المحلى"، وفي كتابه الآخر"حجة الوداع"على أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم هو الاستحباب، ولا يحصل الوجوب إلا بدليل آخر في المسألة.
على أنه - رحمه الله -قد وقع له التمثيل بقوله عليه الصلاة والسلام:"خذوا عني مناسككم"، على أن ما كان من أفعاله عليه السلام تنفيذا لأمر فهو واجب. ( [11] )
ومع ذلك فلا نقدر أن ندَّعي عليه التناقض؛ لأنه من غير المستبعد أن يكون قد قيد هذا البيان الواجب كما هو حال كثير من أهل العلم، على أن ما ذكره في هذا الموضع كان تمثيلا وعرضًا لا تأصيلا وتقريرًا، ولا يمكن لنا أن نحاكم كلامه المفصَّل بكلامه المجمل.
ويؤكد أن هذه الطريقة في تقرير واجبات الحج ليست هي مذهب ابن حزم رحمه الله ولا هي طريقته هو أن من جملة ما ألزم به المالكية في عدم انضباطهم في قولهم بوجوب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم: مسائلَ في الحج من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، يقول رحمه الله:
"ويرون أن الصلاة للصبح بمزدلفة ليس فرضا، ولا يبطل حج من تركه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها هناك، وآذن أن من لم يدركها هنالك فلا حج له، ويرون أن من صلى المغرب قبل مزدلفة ليلة النحر فصلاته تامة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها إلى المزدلفة فلم يصلها إلا فيها، ولا يرون رمي جمرة العقبة فرضا، ورسول الله صلى الله"