استعمال هذا الحديث، إلا أنهم لم يتنازعوا في قدرٍ منه، وهو إجماعهم على عدم الاستغراق في تقرير الوجوب منه على كل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يوجد دليل صارف.
ومن هذين الإجماعين يمكن إضافة وجهٍ في ترجيح الاكتفاء بدلالة الاستحباب من الحديث، وهو أن هذه الإجماعات بمجموعها تدفع صحة إطلاق الوجوب على كل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج استفادة من مجرد هذا الحديث، هذا من جهة تحديد المحال المتفق عليها والمختلف فيها في فهم هذا الحديث، ثم إننا ندعي مع هذه الإجماعات أنه أيضًا غير مراد ولا مقصود من النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الجملة تمييز الواجبات من المستحبات، ومما يؤكد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليحرص إذا فعل ما هو من المستحبات أن ينبه إلى أن فعله هذا ليس من الواجبات، ومعلوم بما يقطع به أن النبي صلى الله عليه وسلم هو النهاية في النصح لهذه الأمة، فكيف وهو لن يحج بعد هذه الحجة، وعنده من العلم ما يفيد أنه مقبوض.
ومما هو معروف أن هناك نزاعًا بين الأصوليين في إفادة العموم لما لم يقصد منه، فهل تعمل مجرد دلالة اللفظ بسعته، أم أنه يستثنى من هذا العموم ما لم يقصد منه.
هذا إذا قلنا إن في الحديث عمومًا يشمل الواجبات لكن لم يقصده؛ فكيف ونحن ننازع من جهتين، من جهة المقصود منه، ومن جهة دلالة أحرفه:
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد أصلا من هذه الجملة: إفادة تمييز الواجبات من المستحبات، وهو أيضًا معنىً لا يقتضيه دلالة أحرفه، وإنما فيه الإحالة إلى استفادة ذلك من تفاصيل أفعاله عليه الصلاة والسلام في الحج، فحج النبي صلى الله عليه وسلم مفصَّل، وقد حصل فيه تمييز الواجبات من المستحبات، وإنما يركن إلى هذا الحديث من عزَّ عليه الدليل على قوله في وجوب بعض مناسك الحج، أو أراد أن يشفع به دليله، أو حتى يستكثر به في جملة أدلته.
وعليه فإن تمييز الواجب من المستحب من مناسك الحج هو راجع إلى النظر في ما قارن أفعاله وما جاء فيها من النصوص الخاصة.
وذلك بدلالة إحالة النبي صلى الله عليه وسلم إليها في معرفة أحكام