قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة الرسول والدعوة إلى غير الله، ومن تدبر هذا حق التدبر وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه عموما وخصوصا.
قال سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [الأنعام: 82] أي أخلصوا العبادة لله وحده، ولم يخلطوا توحيدهم بشرك، ولبس الشيء بالشيء تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر.
ثم ذكر عز وجل ما أعد لعباده المخلصين من الجزاء: { أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } أي هم الآمنون في الدنيا والآخرة، المهتدون إلى الصراط المستقيم؛ ولما نزلت هذه الآية شق على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ظنوا أنه الظلم المشروط وهو ظلم العبد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ قال:"ليس كما تقولون: لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان" { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان: 13] فبين - صلى الله عليه وسلم - أن من لم يلبس إيمانه.
بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان أيضا من أهل الاصطفاء في قوله تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [فاطر: 32] .
والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، ومنه سمي الشرك ظلما، والمشرك ظالما لأنه وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وهو على ثلاثة أنواع: