فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 611

والآن إلى ما انتهينا منه في الحلقة السّابقة: علمنا من هم أهل الحديث في الفقه والأحكام، وقلنا إنّهم مقابل أهل الرّأي ومقابل الظّاهريّة، وبيّنّا شيئًا من معالم منهجهم، وقلنا أنّ عماد هذا المنهج قائم على مطلق التسليم للنّصّ المعصوم، ثمّ هو منهج مستقلّ في الفهم والتّحليل، ووعدنا أن نتكلّم هنا عن أهل الحديث وطريقتهم في المفاهيم والتّصوّرات، وأنا أحاول جهدي أن أهرب من لفظ"العقيدة"، لأنّ هذا اللفظ ليس أثريًّا، وثانيًا: لأنّني أعتبر أنّ هذا اللفظ هو انتصار لمذهب المتكلّمين في الفهم والتّصوّر، وسبب ذلك أنّ هذا اللفظ يدل فقط على قضايا التّصوّر التي ليس لها إفراز في الحركة والحياة، أو لنقل هكذا يفهمه أصحاب هذا اللفظ، وهو يقابل لفظ الفكر بإطلاق المعاصرين له، والبديل الشّرعي لهذا اللفظ هو لفظ"الإيمان"و"التّوحيد"، وهما لفظان يجمعان في داخلهما أو في داخل كلّ واحد منهما قضايا التّصوّر والتّصديق، ومسائل الحركة والحياة، ولفظ العقيدة لا يقوم بهذا المطلوب، بل هو يدلّ فقط على مفاهيم التّصديق فقط، وهذا أفرز في المسلمين أحكامًا جديدة بدعيّة لم تكن عند الأوائل، وأهمّ هذه الإفرازات هو: تضخيم جانب التّصديق على جانب السّلوك والحركة، وصار معيار النّاس في الحكم على بعضهم البعض هو بمقدار معرفته، وليس بمقدار هداه، والمعرفة في دين الله تعالى لا قيمة لها إلاّ لكونها طريقًا لكشف الطريق للسّالك، لا لتبجّح القاعد الكسول، ولكنّ لفظ"الهدى"يحمل جانب المعرفة وجانب السّلوك المطابق لهذه المعرفة، فالنّاس يقولون الآن عن فلان: إنّ عقيدته صحيحة، ويقصدون: إقراراته في مسائل التّصديق والمعرفة، وهم بهذا لا يهتمّون بما هو عليه من هدى أو ضلال في السّلوك والعمل، والأصل الذي علّمنا إيّاه القرآن، ونبّهت السنّة عليه كثيرًا هو أنّ الرّجل لا يكون مهتديًا بعلم خاص لا يفرز عملًا، ولا بعمل لم يسبقه العلم الصّحيح، فكان"الرّجل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت