-وهؤلاء بعد إعراضهم حال التلاوة والإسماع يكون النفور والنأي عنه، كما قال تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} ، فقال تعالى في الآية التي تليها: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} ، مع ما ذكر مما بين الإعراض والنأي والهروب مدبرين في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا} .
-ومما يحصل من ابتلاء النافرين عن القرآن والرادين له كره ما يذكره ويأتي به، كما كره اليهود جبريل، وكما قال تعالى عن المنافقين في نظرهم المنصرف عن الخير والعطاء إلى البلاء والتكليف في قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} ، فلم يروا في غيث السماء إلا ما فيه من رعد وبرق وظلمة، فقال تعالى هنا في سورة الإسراء: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ} ، ومن تدبر طريقة الحق سبحانه في هذا الباب علم أن ينته ابتلاء الناس ليزداد إيمان المؤمن وكفر الكافر وحيم حال المنافق إما لإيمان أو لكفر، وهذا بيّن في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} ، وهو داخل في قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} .
فما يذكر في القرآن بعد الذكرى يكون فتنة للناس جميعًا، كل واحد منهم يصيب من هذه الفتنة ما يستحقه.
-ثم جاء إلى خير أوقات تنزلات معارفه على قلوب الصالحين والتالين له، فقال سبحانه: {وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ} ، والمقصود عند الأغلب صلاة الفجر، وسميت الصلاة هنا من أجل ما فيها وهو قراءة القرآن، وحين ينسب الشيء لجليل يكون جلاله لما نسب إليه، فهاهنا نسبت الصلاة للقرآن تمييزًا لها عن غيرها من الصلوات لأفضليتها، فذكر القرآن في أعظم ما يتعبد به وهو تلاوته في الصلاة، وذكر في خير الصلوات المفروضة، ومن المعلوم أن أفضل عبادة في الوجود هي قراءة القرآن في الصلاة.
ويكفي شرفًا التنويه بفضل قراءة القرآن في ثلاة الفجر قوله تعالى: {إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} .
ومن سنة القرآن ذكر الفضل وما يجاوره، وذكر العدل والفضل، فبعد أن ذكر قرآن الفجر ذكر أفضل ما يجاوره وهو قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} .