إذن فالذين يعتمدون على طريقة التّوريط أو دفع الآخرين بأيّ طريقة من الطّرق غير طريقة الاقتناع إلى عملٍ من الأعمال إنّما يبعدون في المذهب ويتعاملون مع القضيّة بغير الطّريقة السننيّة في إظهار العمل وإيجاده، لا بدّ من الاقتناع وهذا طريقه إلى الدّماغ وإلى الفكر عن طريق المجادلة بالحسنى وعرض الأدلّة وتكرار ذلك مع اعتماد عامل الزّمن حتّى يحصل قبولًا للفكرة والدّعوة، ولا بدّ من وجود الدّافع لتحقيق هذه القناعات وذلك عن طريق إيجاد المحرّضات الكافيةِ لإثارة النّفس البشريّة لتحقيق هذا العمل عن طريق الوعظ والتّذكرة وربط نفسيّة المرء بمحبّة تحقيق رضاء الله سبحانه وتعالى وتحصيل الدّار الآخرة، فإذا حصل الاطمئنان النّفسيّ لهذا العمل تحرّكت النّفس نحوه برغبةٍ صادقةٍ فلا يَرُدُّ عنانها عن ذلك إلاّ الذي فطرها، وهي بحاجة إلى التّذكير مرّة بعد مرّة - {وذكّر فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين} - وذلك عن طريق استثارة القناعات بوضعها في جوّ التّأثير العاطفيّ والنّفسيّ. بهذا يحصل التّمايز عن الآخرين وبه فقط يتمُّ السّير نحو الهدف المطلوب وفي باب الجهاد هذه هي الطّريقة السننيّة لتحقيقه وليست المسألة مسألة عواطف شباب جيّاشة سرعان ما تنتكس تحت ظروفٍ جديدةٍ وأحداث متغيّرةٍ، فالقائلون بأنّ الجهاد تهوّر واندفاع وحماسة شباب لا خِبرةَ لهم في الحياة واهمون، نعم يكون كذلك حين يكون الجهاد دافعه الحماس الفِطريُّ غير المؤصَّل، وتمّت الاستجابة له دون الفهم له على الوجه المطلوب فإنّ هذه الحماسة سرعان ما تزول إمّا لوقوع البلاء أو تخلّف النَّصر أو كثرة المعوِّقات في طريق الجهاد.
هذه القناعات العقليّة والمبنيّة على أُسُسٍ علميّة واضحةٍ وعندها القدرة على كشف ودحض تلبيس الخصوم وأخطائهم مع نفسيّة محرّضة هي التي تصنع التّمايز في الشّخص المجاهد طول حياته وتؤمّن له عدم الانتكاس بالعودة إلى الجلاّدين من قادة تنظيمات بدعيّة أو مشيخات معوّقة.
إذن فالتّمايز شرطٌ لتحقيق الجهاد السنّي، ويقع التّمايز بتحقيق حقيقته المتقدّمة عن طريق التّنظيم المتميّز والذي يعلن افتراقه عن الآخرين واختلافه عنهم من جهة الشّعار المخالف فلا يلتبس لدى الأفراد تداخل الصّورتين بين هذا التّنظيم وبين غيره من التّنظيمات، وعن طريق تعميم الفهم لدى الأفراد كذلك بمخالفة الآخرين للشّرع والعقل ودخولهم في دائرة الرّأي والهوى أو البدعة الممقوتة، وهذا يتمُّ عن طريق كشف وتعرية طُرُق الآخرين من جهة أصوليّة عميقة فلا يكون الرّجل معك في التّنظيم وهو يرقب إشارات المشايخ وفتاويهم من خارج السّرب، فإنّ هذا النّوع من الشّباب خطيرٌ جِدًّا ومُذهِبٌ للقوّة والرّيح لدى أيّ تنظيم من التّنظيمات في أيّ ظرف من الظّروف.
إذا فهمنا هذا واستبان لنا حقيقة هذه المقالة بأنّ العمل الصّحيح لا بدّ أن ينشأ عن قناعةٍ علميّة وبمحرّضٍ نفسيٍّ صحيح (التّمايز) يتبيّن لنا عمق الخطأ في قول من يقول بإمكانيّة استخدام قواعد التّنظيمات البدعيّة مادّةً للجهاد في سبيل الله تعالى مع بقائهم في تنظيماتهم تحت دعوى سلامة فِطَرِهم واختلافهم عن قادتهم، أي التّفريق بين القواعد والشّيوخ، أو بين الشّباب الصّالح والقيادة الزمنى، وهذا يُظهر كذلك خطأ من يقول إنّ المشكلة في عدم الجهاد هي مشكلة القادة الزمنى والمشايخ الأئمّة وأمّا القواعد فهي صالحةٌ للجهاد وهذا خطأ كبير لأنّ القضيّة ليست قضيّة حماسٍ وعدمَ حماس، أو تأجّج عواطف وسكون أخرى، بل المشكلة الأولى والأخيرة في التركيبة العقليّة والعِلميّة في الفرد بغضِّ النّظر عن كونه قائدًا أو مَقُودًا، شابًّا أم كهلًا أم شيخًا، فتحليل عدم جهاد جماعةٍ مثل الإخوان المسلمين بسبب القادة مثلًا أو عدم جهاد السّلفيّة المزعومة بسبب مشايخهم وكذا أصحاب الصّوفيّة، خطأٌ محض فهؤلاء في هذا الجهاد - وأقصد جهاد المرتدّين - ليسوا مقتنعين به قناعةً علميّةً في أصل القضيّة، فإنْ حدث جهادٌ من بعضهم حينًا فإنّما هو من دافع توريط الصّغار للكبار، أو دفع التّيّار أي ما يسمّى بغريزة القطيع، وهؤلاء سُرعان ما يؤوبون إلى مواقعهم وتبدأ عمليّة الجلد المشيخيّ والتّنظيمي.