ولما طال إنتظارى بلا جدوى قررت المحاولة منفردًا.
كان الصباح مشرقًا دافئًا والمدينة تنشط تدريجيًا والسيارات تمضى متهادية، أو مسرعة،
فوق برك الماء والطين على الطرقات. والتحدى الأكبر أمام المشاة هو عدم السقوط فى
الوحل الذى إلتصق بالأقدام فضاعف حجمها، وإلتصق بالملابس رغم أن الجميع قد
شمرها إلى أعلى ما هو ممكن.
وصلت المقبرة وقد لاحظت أنها قد إتسعت كثيرًا عما رأيتها عن قرب منذ ثلاثة أعوام.
ثلاثة من كبار السن كانوا جالسين على أطراف المقبرة يتجاذبون أطراف الحديث سألتهم عن
مقابر العرب، فأشار كل منهم إلي مكان مختلف، وإختلطت عليهم مقابر العرب، مع مقابر
الباكستانيين. توجهت إلى أقرب مكان أشاروا إليه ووقفت أنظر في كل إتجاه، مشيت بين
المقابر المزدحمة وقد تقاربت حوافها بحيث يجب الحذر حتى لا أطأ قبرًا ما بقدمى. إستبعدت
المقابر الأفغانية، وهى مميزة بالألواح الرخامية المحفور عليها إسم المتوفى ولقبه وتاريخ وفاته.
مقابر الشهداءالأفغان تعرف بالرايات العالية التى يدل لونها غالبًا على التنظيم التابع له،
فالخضراء لحزب حكمتيار، والراية البيضاء لجماعة يونس خالص، والسوداء لجماعة جيلانى
وهكذا ... فهل هى سياسة حتى الموت؟
ليست كذلك تمامًا فجميع الألوان الصاخبة مطلوبة لتميز القبورالمتشابكة.
حصرت الشبهة في عدد من القبور خالية من أى علامات وكان عددها ثمانية، فلابد أن يكون
خالد مدفونًا في أصغرها. قارنت بينها وإخترت أصغرها طولا، ولكنه مازال أطول مما توقعت،
فأعدت البحث مرة أخرى.
مجموعة من الأطفال الصغار خرجوا في راحة من مدرسة قريبة لتحفيظ القرأن الكريم.
ولاحظ هؤلاء حيرتى بين المقابر فأقبلوا يركضون، فسألتهم عن مقابر العرب، فدلونى على ثمانية
مقابر، من بينها سته متقاربه وكنت أحوم حولها.
ذكرونى بخالد ... فإبتسمت لهم وسألتهم:
هل تعرفون قبر خالد؟،وكانت المفاجأة أن تصايحوا وكأننى سألتهم عن صديق قديم وقالوا(أبو
خالد)نعم نعرفه إنه هنا، ثم سحبونى إلى الخلف قليلا فلم أكن بعيدًا عن المكان.
أردت أن أتأكد أكثر فقلت لهم إن إسم إبنى هو خالد، وليس أبو خالد. وهو صغير السن في عمر
زميلكم هذا ... وأشرت إلى أحدهم، فأكدوا أنهم يعرفون خالد جيدًا .. فقد حضروا عمليه الدفن
لجماعة الشهداء من جاور، وأن خالد كان أصغرهم، لذا فهم يتذكرونه جيدًا.
جلست إلى القبر قريبًا من رأس خالد. لم أدر ماذا أفعل وكل هؤلاء الأطفال حول القبر
ينظرون إلى وجهى يتفحصون بعمق وذكاء ما خلف قناع الجمود الذى يكسوا ملامحى.
قرأت بعض آيات القرآن الكريم والأدعية وجلست صامتًا أتأمل القب الصغير وقبور العرب
من شهداء نفس الحادث في جاور، وأنظر إلى قبور الشهداء الباكستانيين، وطاف بذهنى خواطر
كثيرة غير مترابطة أو محدودة. إستيقظت من ذهولى على مشاغبات مكتومة لبعض الأطفال
المتحلقين حول القبر، خطر في ذهنى أن خالد سعيد في قبره بهذا التجمع من الأطفال الذين
يشبهونه في أشياء كثيرة من عبث الطفوله، إبتسمت لهذا الخاطر وأنا انظر إلى الأطفال،
فإبتسموا هم أيضًا ... ثم تلاوموا ونصح بعضهم بعضًا بإلتزام الأدب، والهدؤ في حضرتى.
لقد خفف حضورهم عنى بل أسعدنى، فلم تظهر دموعى في تلك الزيارة، وحرصت فى
زيارة تالية أن تكون بعد صلاة العصر حين لايكون هناك أطفال في المدرسة القريبة.