جلسنا على شكل حلقة بيضاوية حول فناجين الشاى التى فقدت رونقها بعد أن تكسرت حوافها
وكشط طلاؤها الأبيض من أماكن عديدة.
تبسم جارى وقال بصوت خافت: (فناجين منذ عهد داود) .
سمع أحدهم ذلك فإنفجر ضاحكًا وأبلغ الحاضرين بصوت عال بذلك التعليق الساخر. فإنفجروا
ضاحكين وشعر الكومندان بخجل وأسرع يقدم إعتذاراته ويلقى اللوم على قسم الإمداد الذى
يشترى لهم أرخص الأشياء.
لم يكن هناك شئ يستحق الإعتذار فالشاي في حد ذاته كان مطلوبًا بشدة بعد رحلتنا المرهقة.
ومع حبات السكر التى طلاها التراب كان طعم الشاى أروع من أن يوصف، فالجوع والعطش
كفيلان بإضفاء روعة على ما هو أبشع من ذلك.
الشعور بالإنتعاش سرى بين المجموعة وإنطلق الحدث على سجيته بين الجميع، نسمات الليل
المنعشة تنبعث من تجاه الوادى الذى يظهر طرفه الشرقى من فرجة بين الجبال التى نجلس
بينها.
أشياء تبدو صغيرة ولكنها تكون مصدر سعادة حقيقية هنا، مثل مجرد خلع الحذاء بعد رحلة
شاقة وغمس القدم في جدول ماء بارد أو تعريضها لنسمة هواء منعشة، كم يبعث ذلك فى
النفس المجهدة سعادة لا توصف ولا تقدر بثمن؟.
ولكن هناك أيضًا يتعلم الجميع أن كل شئ مؤقت ولا شئ يدوم حتى السعادة مع كوب من
الشاى الأخضر ونسمة باردة في المساء يمكن أن تنقطع فجأة إما بإزعاج خفيف أو بمأساة
حقيقية.
لقد إهتزت الأقداح العتيقة في أيدينا وبعضنا سقط الشاى الساخن على أطراف أنامله من جراء
قذيفة ثقيلة إنفجرت على سفح الجبل المقابل. كان صوت الإنفجار مريعًا ليس فقط لشدته التى
يقشعر لها البدن ولكن لكونه غير متوقع في لحظة صفاء مدهشة كتلك التى نحياها الآن بعد
رحلتنا الشاقة، ومع ذلك ضحك الجميع لم يتذمر أحد فقد تعودوا ذلك.
(إنه قصف روتينى .. أنهم يعرفون أننا هنا فقد كانت هذه المنطقة لهم حتى وقت قريب لكننا
طردناهم من هنا منذ مدة قصيرة الجبل الذى خلفنا ونستخدمه للإستطلاع ومراقبة المدينة كان
مركزًا لهم وما زالت الألغام موجودة فوقه .. ).