6 -أمّا القول الثّاني بوجود أحكام ولو على سبيل النّدرة قصد منها التّعبّد والامتثال.
فيدلّ عليه ما ورد في كتاب اللّه تعالى من قوله تعالى «.
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتي كَانتْ عَلَيهمْ» أنّه كان قد جعل على من كان قبلنا آصارًا وأغلالًا لتعنّتهم وشقاقهم، كما ألزم بني إسرائيل بأن تكون البقرة الّتي أمرهم بذبحها لا فارضًا ولا بكرًا، وأن تكون صفراء.
وأيضا فإنّ في بعض الابتلاء واستدعاء الطّاعة والامتثال والتّدريب على ذلك مصلحة كبيرة، لا يزال أولياء الأمور يدرّبون عليها أنصارهم وأتباعهم، ويبذلون في ذلك الأموال الطّائلة، ليكونوا عند الحاجة ملبّين للأوامر دون تردّد أو حاجة إلى التّفهّم، اكتفاء وثقة بأنّ وليّ أمرهم هو أعلم منهم بما يريد.
بل إنّ مصلحة الطّاعة والامتثال والمسارعة إليهما هي الحكمة الأولى المبتغاة من وضع الشّريعة، بل من الخلق في أساسه، قال اللّه تعالى «وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونَ» وقال «يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيءٍ مِنَ الصَّيدِ تَنَالُه أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُه بِالغَيْبِ» .
وقال: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ» وقال «وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتي كُنْتَ عليها إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلبُ على عَقِبَيهِ» ولكن من فضل اللّه علينا في شريعة الإسلام أنّه جعل غالب أحكامها تراعي مصلحة العباد بالإضافة إلى مصلحة الابتلاء، ولكن لا يمنع ذلك من وجود أحكام لا تراعي ذلك، بل قصد بها الابتلاء خاصّة، وذلك على سبيل النّدرة.
وفي هذا يقول الغزاليّ: عرف من دأب الشّرع اتّباع المعاني المناسبة دون التّحكّمات الجامدة، وهذا غالب عادة الشّرع.
ويقول: حمل تصرّفات الشّارع على التّحكّم أو على المجهول الّذي لا يعرف، نوع ضرورة يرجع إليها عند العجز.
وقال: ما يتعلّق من الأحكام بمصالح الخلق من المناكحات والمعاملات والجنايات والضّمانات وما عدا العبادات فالتّحكّم فيها نادر، وأمّا العبادات والمقدّرات فالتّحكّمات فيها غالبة، واتّباع المعنى نادر.
وصرّح بذلك الشّيخ عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام في قواعده فقال: يجوز أن تتجرّد التّعبّدات عن جلب المصالح ودرء المفاسد، ثمّ يقع الثّواب عليها بناء على الطّاعة والإذعان من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثّواب ولا درء مفسدة غير مفسدة العصيان.