فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 556

والمراد بالحكمة هنا: مصلحة العبد من المحافظة على نفسه أو عرضه أو دينه أو ماله أو عقله.

أمّا مصلحته الأخرويّة - من دخول جنّة اللّه تعالى والخلاص من عذابه - فهي ملازمة لتلبية كلّ أمر أو نهي، تعبّديّا كان أو غيره.

3 -هذا هو المشهور في تعريف التّعبّديّات.

وقد لاحظ الشّاطبيّ في موافقاته أنّ حكمة الحكم قد تكون معلومة على وجه الإجمال، ولا يخرجه ذلك عن كونه تعبّديّا من بعض الوجوه، ما لم يعقل معناه على وجه الخصوص.

قال: ومن ذلك: طلب الصّداق في النّكاح، والذّبح في المحلّ المخصوص في الحيوان المأكول، والفروض المقدّرة في المواريث، وعدد الأشهر في عدّة الطّلاق والوفاة، وما أشبه ذلك من الأمور الّتي لا مجال للعقول في فهم مصالحها الجزئيّة، حتّى يقاس عليها غيرها.

فإنّا نعلم أنّ الشّروط المعتبرة في النّكاح، من الوليّ والصّداق وشبه ذلك، هي لتمييز النّكاح عن السّفاح، وأنّ فروض المواريث ترتّبت على ترتيب القربى من الميّت، وأنّ العدد والاستبراءات، المراد بها استبراء الرّحم خوفا من اختلاط المياه، ولكنّها أمور جمليّة، كما أنّ الخضوع والإجلال علّة شرع العبادات.

وهذا المقدار لا يقضي بصحّة القياس على الأصل فيها، بحيث يقال: إذا حصل الفرق بين النّكاح والسّفاح بأمور أخر مثلا، لم تشترط تلك الشّروط.

ومتى علم براءة الرّحم لم تشرع العدّة بالأقراء ولا بالأشهر، ولا ما أشبه ذلك.

4 -هذا وقد اختلفت الفقهاء في أنّ التّعبّديّات شُرِعت لنا لحكمة يعلمها اللّه تعالى وخفيت علينا، أو إنّها شُرِعت لا لحكمة أصلًا غيرَ مجرّد تعبّد اللّه للعباد واستدعائه الامتثال منهم، اختبارًا لطاعة العبد لمجرّد الأمر والنّهي من غير أن يعرف وجه المصلحة فيما يعمل، بمنزلة سيّد أراد أن يختبر عبيده أيّهم أطوع له، فأمرهم بالتّسابق إلى لمس حجر، أو الالتفات يمينًا أو يسارًا ممّا لا مصلحة فيه غير مجرّد الطّاعة.

5 -قال ابن عابدين نقلًا عن الحلية: أكثر العلماء على القول الأوّل، وهو المتّجه، بدلالة استقراء تكاليف اللّه تعالى على كونها جالبة للمصالح دارئة للمفاسد.

وكذلك الشّاطبيّ في موافقاته اعتمد الاستقراء دليلًا على أنّ كلّ الأحكام الشّرعيّة معلّلة بمصالح العباد في الدّنيا والآخرة، وقال: إنّ المعتزلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت