فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 460

فهم لم يكتفوا بالتخلف - والمعركة على الأبواب - وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس , وبخاصة أن عبد الله بن أبي , كان ما يزال سيدا في قومه , ولم يكشف لهم نفاقه بعد , ولم يدمغه الله بهذا الوصف الذي يهز مقامه في نفوس المسلمين منهم. بل راحوا يثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة , وهم يقولون: (لو أطاعونا ما قتلوا) . .

فيجعلون من تخلفهم حكمة ومصلحة , ويجعلون من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه مغرما ومضرة. وأكثر من هذا كله يفسدون التصور الإسلامي الناصع لقدر الله , ولحتمية الأجل , ولحقيقة الموت والحياة , وتعلقهما بقدر الله وحده. . ومن ثم يبادرهم بالرد الحاسم الناصع , الذي يرد كيدهم من ناحية , ويصحح التصور الإسلامي ويجلو عنه الغبش من ناحية: (قل: فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) . .

فالموت يصيب المجاهد والقاعد , والشجاع والجبان. ولا يرده حرص ولا حذر. ولا يؤجله جبن ولا قعود والواقع هو البرهان الذي لا يقبل المراء. .

وهذا الوقاع هو الذي يجبههم به القرآن الكريم , فيرد كيدهم اللئيم , ويقر الحق في نصابه , ويثبت قلوب المسلمين. ويسكب عليها الطمأنينة والراحة واليقين. .

ومما يلفت النظر في الاستعراض القرآني لأحداث المعركة , تأخيره ذكر هذا الحادث - حادث نكول عبد الله ابن أبي ومن معه عن المعركة - وقد وقع في أول أحداثها وقبل ابتدائها. . تأخيره إلى هذا الموضع من السياق. .

وهذا التأخير يحمل سمة من سمات منهج التربية القرآنية. .

فقد آخره حتى يقرر جملة القواعد الأساسية للتصور الإسلامي التي قررها ; وحتى يقر في الأخلاد جملة المشاعر الصحيحة التي أقرها ; وحتى يضع تلك الموازين الصادقة للقيم التي وضعها. . ثم يشير هذه الإشارة إلى"الذين نافقوا". وفعلتهم وتصرفهم بعدها , وقد تهيأت النفوس لإدراك ما في هذه الفعلة وما في هذا التصرف من انحراف عن التصور الصحيح , وعن القيم الصحيحة في الميزان الصحيح. . وهكذا ينبغي أن تنشأ التصورات والقيم الإيمانية في النفس المسلمة , وأن توضع لها الموازين الصحيحة التي تعود إليها لاختبار التصورات والقيم , ووزن الأعمال والأشخاص , ثم تعرض عليها الأعمال والأشخاص - بعد ذلك - فتحكم عليها الحكم المستنير الصحيح , بذلك الحس الإيماني الصحيح. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت