يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم , لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله عز وجل أبدا. ولكن لا أجد سعة فأحملهم , ولا يجدون سعة فيتبعوني ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده لوددت أن اغزو في سبيل الله فأقتل , ثم اغزو فأقتل , ثم اغزو فأقتل" [أخرجه مالك والشيخان] ."
فهؤلاء هم الشهداء. هؤلاء الذي يخرجون في سبيل الله , لا يخرجهم إلا جهاد في سبيله , وإيمان به , وتصديق برسله.
ولقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتى فارسي يجاهد أن يذكر فارسيته ويعتز بجنسيته في مجال الجهاد: عن عبد الرحمن بن أبي عقبة عن أبيه [وكان مولى من أهل فارس] قال: [شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم أحدا. فضربت رجلا من المشركين , فقلت: خذها وأنا الغلام الفارسي. فالتفت إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"هلا قلت: وأنا الغلام الأنصاري ؟ إن ابن أخت القوم منهم , وإن مولى القوم منهم"] [أخرجه أبو داود] .
فقد كره له صلى الله عليه وسلم أن يفخر بصفة غير صفة النصر للنبي صلى الله عليه وسلم , وأن يحارب تحت شارة إلا شارة النصر لهذا الدين. .
وهذا هو الجهاد. وفيه وحده تكون الشهادة , وتكون الحياة للشهداء.
وفي التفسير الوسيط [1] :
نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتًا فقال: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في قتلى غزوة بدر، قتل من المسلمين فيها أربعة عشر ؤجلا: ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون. مات فلان ومات فلان. فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم: إنهم ماتوا.
وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبًا لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت هذه الآية
والسبيل: الطريق وسبيل الله: طريق مرضاته، وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته. و {أَمْوَاتٌ} مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: لا تقربوا هم أموات وكذلك قوله {أَحْيَاءٌ} خبر لمبتدأ محذوف أي: هم أحياء.
قال الآلوسي:"والجملة معطوفة على {وَلاَ تَقُولُوا} اضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون في حيز القول ويصير المعنى بل"
(1) - التفسير الوسيط - (ج 1 / ص 241)