أكناف بيت المقدس، و ما شهدناه في جنوب السودان من عمليات الدبابين التي ترجمت واقعيًا أنّ حبّ المسلم للشهادة يفوق تمسّك الكافر بالحياة.
و لا يمنع من ذلك ما يراه الناظر بعينٍ واحدة، من همجيّة الرد، و عنجهيّة العدو، فإنّ هذه سنّة الله في عباده، و لنا العزاء في قوله تعالى: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ و تِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140] و قوله سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173] ، و قوله جلّ شأنه: (إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون) .
خامسًا: من أهل العلم المعاصرين من له في المسألة قولان كالشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله، و ما أحد قوليه بأولى من الآخر إذ إنّّّه يبني حكمه على مراعاة المصالح و المفاسد، فقد سُئل [في اللقاء الشهري العشرين] عن شابًّ مجاهد فجّر نفسه في فلسطين فقتل و أصاب عَشرات اليهود، هل هذا الفعل يعتبر منه انتحارًا أم جهادًا؟ فأجاب بقوله: (هذا الشاب الذي وضع على نفسه اللباس الذي يقتل، أول من يقتل نفسه، فلا شك أنه هو الذي تسبب في قتل نفسه، و لا تجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحة كبيرة للإسلام، فلو كانت هناك مصلحة كبيرة ونفع عظيم للإسلام، كان ذلك جائزًا) .
فانظر - رحمك الله - كيف راعى المصالح في حُكمه، و بنى على تحقيق مصلحة كبيرةٍ و نفع عظيم للإسلام قوله (كان ذلك جائزًا) ، و اضبط بهذا الضابط سائر كلامه و فتاواه و إن كان ظاهرها التعارض، فإن الجواب بحسب السؤال، و الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره.
و مثل هذا الكلام يقال عن موقف العلامّةِ الألباني رحمه الله، و قد تعرّض رحمه الله إلى تطاول السفهاء و المتعالمين فنسبوا إليه زورًا و بهتانًا أنّه حكم على من يُقتل في عمليّة تفجير استشهاديّة يقوم بها في صفوف العدو بالانتحار، و الشيخ بريء من ذلك، و من فتاواه النيّرة في هذا الباب ما هو مثبت بصوته [في الشريط الرابع و الثلاثين بعد المائة من سلسلة لهدى والنور] حيث سُئل رحمه الله سؤالًا قال صاحبه: هناك قوات تسمى بالكوماندوز، فيكون فيها قوات للعدو تضايق المسلمين، فيضعون - أي المسلمون - فرقة انتحارية تضع القنابل و يدخلون على دبابات العدو، و يكون هناك قتل ... فهل يعد هذا انتحارًا؟
فأجاب بقوله: (لا يعد هذا انتحارًا؛ لأنّ الانتحار هو: أن يقتل المسلم نفسه خلاصًا من هذه الحياة التعيسة ... أما هذه الصورة التي أنت تسأل