أى فعل - سبحانه - ما فعل في أحد ليميز المؤمنين من المنافقين الذين قيل لهم من النبى صلى الله عليه وسلم ومن بعض أصحابه: تعالوا معنا لتقاتلوا في سبيل الله، فإن لم تقاتلوا فادفعوا أى فانضموا إلى صفوف المقاتلين، فيكثر عددهم بكم فإن كثرة العدد تزيد من خوف الأعداء.
أو المعنى: تعالوا معنا لتقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله، فإن لم تفعلوا ذلك لضعف إيمانكم، واستيلاء الشهوات والأهواء على نفوسكم، فلا أقل من أن تقاتلوا لتدفعوا عن أنفسكم وعن مدينتكم عار الهزيمة.
أى إن لم تقاتلوا طلبا لمرضاة الله، فقالتوا دفاعا عن أوطانكم وعزتكم.
قال الجمل: وهذه الجملة وعى قوله - تعالى - {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا} تحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون مستأنفة، أخبر الله أنهم مأمورون إما بالقتال وإما بالدفع أى تكثير سواد المسلمين - أى عددهم.
والثانى: أن تكون معطوفة على {نَافَقُوا} فتكون داخلة في خبر الموصول. أى وليعلم الذين حصل منهم النافق والقول المذكور وإنما لم يأت بحرف العطف بين تعالوا وقاتلوا، لأن المقصود أن تكون كل من الجملتين مقصودة بذاتها.
وقوله {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} حكاية لردهم القبيح على من نصحهم بالبقاء مع المجاهدين.
أى قال المنافقون - وعم عبد الله بن أبى وأتباعه - لو نعلم أنكم تقاتلون حقا لسرنا معكم، ولكن الذى نعلمه هو أنكم ستذهبون إلى أحد ثم تعودون بدون قتال لأى سبب من الأسباب
أو المعنى - كما يقول الزمخشرى -"لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا {لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشىء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة، لأن رأى عبد الله بن أبى كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج".
وقال ابن جرير:"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه وحتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخذل عنهم عبد الله بن أبى ابن سلول بثلث الناس وقال. أطاعهم، أى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج وعصانى. والله ما ندرى علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق والريب، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام - أخو بنى سلمة - يقول لهم. يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم - وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا - فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكننا لا نرى أن يكون قتال."