فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 460

ولعل هنالك لفتة أخرى من لفتات المنهج الفريد. فعبد الله بن أبي كان إلى ذلك الحين ما يزال عظيما في قومه - كما أسلفنا - وقد ورم أنفه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ برأيه - لأن إقرار مبدأ الشورى وإنفاذه اقتضى الأخذ بالرأي الآخر الذي بدا رجحان الاتجاه إليه في الجماعة - وقد أحدث تصرف هذا المنافق الكبير رجة في الصف المسلم , وبلبلة في الأفكار , كما أحدثت أقاويله بعد ذلك عن القتلى حسرات في القلوب وبلبلة في الخواطر. .

فكان من حكمة المنهج إظهار الاستهانة به وبفعلته وبقوله ; وعدم تصدير الاستعراض القرآني لأحداث الغزوة بذلك الحادث الذي وقع في أولها ; وتأخيره إلى هذا الموضع المتأخر من السياق. مع وصف الفئة التي قامت به بوصفها الصحيح:"الذين نافقوا"والتعجيب من أمرهم في هذه الصيغة المجملة:

(ألم تر إلى الذين نافقوا ؟) , وعدم إبراز اسم كبيرهم أو شخصه , ليبقى نكره في:"الذين نافقوا"كما يستحق من يفعل فعلته , وكما تساوي حقيقته في ميزان الإيمان. .

ميزان الإيمان الذي أقامه فيما سبق من السياق. .

وفي التفسير الوسيط [1] :

قوله تعالى: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا} الخ مستأنف مسوق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة، إثر إبطال بعض آخر تقدم الحديث عنه من فوائد غزوة أحد أنها كشفت عن قوة الإيمان من ضعيفه، ميزت الخبيث من الطيب.

وإذا كان انتصار المسلمين في بدر جعل كثيرًا من المنافقين يدخلون في الإسلام طمعا في الغنائم. . فإن عدم انتصارهم في أحد قد أظهر المنافقين على حقيقتهم، ويسر للمؤمنين معرفتهم والحذر منهم.

والهمزة في قوله {أَوَ لَمَّا} للاستفهام الإنكارى التعجيبي. و"الواو"للعطف على محذوف و"لما"ظرف بمعنى حين مضافة إلى ما بعدها مستعملة في الشرط. والمصيبة: أصلها في اللغة الرمية التى تصيب الهدف ولا تخطئه، ثم أطلقت على ما يصيب الإنسان في نفسه أو أهله أو ما له أو غير ذلك من مضار. وقوله {مِّثْلَيْهَا} أى ضعفها، فإن مثل الشىء ما يساويه. ومثليه ضعفه

والمعنى: أفعلتم ما فعلتم من أخطاء، وحين أصابكم من المشركين يوم أحد نصف ما أصابهم منكم قبل ذلك في بدر تعجبتم وقلتم {أنى هذا} أى من

(1) - التفسير الوسيط - (ج 1 / ص 792)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت