الإسلام «كل مدر ووبر» . وهذا يؤشر على أن (3) الأمة تحتاج إلى وقت ما بين استعادة سلطانها وإقامة خلافة «على منهاج النبوة» .
-حديث أنس
حديث أنس، «إنها نبوة ورحمة, ثم خلافة ورحمة, ثم ملك عضوض , ثم جبرية, ثم طواغيت» ، يكاد يكون مطابقا لحديث حذيفة من حيث التنميط والمرحلة لكنه يخبر في روايته عن مرحلة سادسة هي مرحلة «الطواغيت» . وهذا يعني أنه سيكون لدينا خمسة أنماط حكم بدلا من أربعة وستة مراحل بدلا من خمسة. وهذا لا يستوي أبدا مع جل الأطروحات التي تتحدث عن «استعادة الخلافة» بينما هي في واقع الأمر تتجاوز عن مرحلة لا أحد يعلم متى ستبدأ ولا كم من الزمن ستقطع. وهنا سيكون السؤال ليس عن ماهية «الحكم الجبري» وزمانه بل أيضا عن ماهية «حكم الطواغيت» وزمانه. ولعل في هذا ما يصيب الكثير من القوى الإسلامية في الإحباط. فالذين يقاتلون «الطاغوت» لبلوغ «الخلافة» لن يختلف حالهم عن الذين سخروا حياتهم للوصول إلى الحكم عبر المنهج السياسي أو الدعوي. فكلاهما لا يدري إنْ كان سيخوض الصراع من أجل الخروج من «الحكم الجبري» أم من أجل الدخول في «حكم الطواغيت» .
هذه الإشكالية التي تبدو فيها الأحاديث للوهلة متعارضة أو تثير اللبس تجد تفسيراتها في رواية محب الدين الطبري عن سهل بن أبي خيثمة: « ... الخلفاء بعدي أربعة والخلافة بعدي ثلاثون سنة نبوة ورحمة ثم خلافة ثم ملك ثم جبرية وطواغيت ثم عدل وقسط» ، ... . فالعطف هنا يفيد (1) القطع ما بين المراحل، وأن (2) «الجبر» بوصفه ملك يتضمن صفتي الـ «جبرية وطواغيت» كما تتضمن «الخلافة على منهج النبوة» صفتي الـ «عدل وقسط» . وهكذا يمكن ملاحظة أن مرحلة «الحكم الجبري» تجمع، بالضرورة، ما بين قوى «الجبر» العالمية من جهة وقوى «الجبر» المحلية الواردة بصفة «طواغيت» باعتبارها أدوات «الجبر وليست قوته المركزية.
-حديث حذيفة
الحاسم في حديث حذيفة هو الزمن الذي يضع أية أطروحة سياسية في مأزق عقدي عميق. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: «ثم تكون خلافة» وسكت! بل أتبعها بعبارة: «على منهاج النبوة» . والسؤال: لماذا حدد صفة الخلافة القادمة؟ ولماذا «سكت» بعد التحديد!!؟ وما الذي يمكن فهمه بصريح القول من هذه العبارة ونحن نعيش في قلب «الجبر» ونفكر بموجب أدواته؟
لا ريب أنه ثمة تفاضل في المكانة بين أنماط الحكم، فالنبوة هي الأكمل فيما يتعلق بالتوحيد تليها الخلافة وحتى الملك العاض. لكن ما بين الملك العاض وإلى يومنا هذا ثمة نحو 1380 عاما لم تكن نبوة ولا خلافة،