أما إنْ كانوا يعلمون بأيديولوجية الأطروحة، ويصرون عليها فلعل التفسير الأرجح لهذا الإصرار يكمن فعليا في الخشية من التكلفة الباهظة التي تدفعهم إلى التمسك بالأيديولوجيا! ذلك أن التفكير بموجب الشريعة وما تفرزه من استحقاقات شرعية وعقدية سيؤدي إلى التورط في كلفة يصعب الوفاء بها. في حين أن ترحيل الأطروحات العقدية إلى الأيديولوجيا من شأنه أن يخفض التكلفة إلى حد الاندماج والتماهي مع ما تفرضه الهيمنة من شروط، وهذا ليس إلا هروبا صريحا يحاول، عبثا، أن يخفي حقيقة «العقل الجبري» حين يفكر ويتصرف وفقا لما تتطلبه الهيمنة وليس وفقا لمتطلبات الشريعة كمرجعية، وما تتطلبه على وجه التحديد من إعادة النظر جذريا في نظرية الإعداد.
إذا أمعنا النظر في حديث حذيفة عن الخلافة، سنلاحظ الفرق بين تحليل ينطلق من فرضيات عقدية وآخر ينطلق من {قَوْلُ الْبَشَرِ} . لكن قبل ذلك لنتساءل: عن أي خلافة يجري الحديث؟
-حديث أم سلمة
روت أم سَلََمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون اختلافٌ عند موتِ خليفة، فيخرج رجل من بني هاشم فيأتي مكة فيستخرجه الناسُ من بيته وهو كاره، فيبايعونه بين الرُّكن والمقام، فيُجَهَّز إليه جيشٌ من الشام حتى إذا كانوا بالبيداءِ خُسِف بهم، فيأتيه عصائب العراق وأبدال الشام، وينشأ رجلٌ بالشام وأخواله كَلبٌ، فيُجهَّز إليه جيشٌ فيهزمهم الله فتكون الدائرة عليهم، فذلك يوم كَلْب الخائبُ مَن خاب من غنيمة كلب فيستفتح الكنور ويَقْسم الأموال، ويُلقي الإسلامُ بجِرانِه إلى الأرض، فيعيش بذلك سبع سنين، أو قال تسع سنين» .
هذا الحديث الذي رواه الطبراني في «الأوسط» ، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ، يتفق رواةُ الحديث وشُرَّاحُه على أن المقصود فيه هو المهدي عليه السلام. لكن الحديث يُخبر بصريح القول عن: (1) حدث لم يقع بعد منذ العهد النبوي وإلى يومنا هذا! و (2) وخلافة قائمة، و (3) موت خليفة، و (4) وخلاف يقع بين المسلمين في أعقاب موت الخليفة: «يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل ... » ، وهو (5) المهدي الذي «يستخرجه الناسُ من بيته وهو كاره، فيبايعونه بين الرُّكن والمقام ... » .
هذا الحديث بالذات يضع أطروحة «استعادة الخلافة» وفق حديث حذيفة على المحك. إذ أنه يكشف عن خلافة قائمة تسبق خلافة المهدي. وهذا يعني أن: (1) الأمة يمكن أن تقيم خلافة في مكان ما من العالم الإسلامي وهي واقعة تحت «الحكم الجبري» ! بمعنى أن الخلافة والخليفة في ذلك الوقت لن يتمكنا من الإطاحة بـ «الحكم الجبري» ، أو أن (2) الأمة استعادت سلطانها فعلا وبايعت خليفة أو أكثر إلى أن نشب خلاف بعد موت أحد الخلفاء. وفي كل الاحتمالات لن ستكون خلافة لكنها قطعا ليست «على منهاج النبوة» بحيث يدخل