لذا فإن كل عالم أو شيخ أو داعية أو مؤرخ أو باحث أو مناصر أو حركة إسلامية أو جماعة جهادية أو حزب إسلامي عليه أن يكون على بينة من أمره، أنه حين يتحدث عن مسائل عقدية كـ «الخلافة» أو «تطبيق الشريعة» أو «الدولة الإسلامية» كما لو أنها مشاريع أو برامج سياسية قابلة للتنفيذ، إنما يتحدث قطعا بلغة «الجبر» ، أي بلغة الأيديولوجيا وليس بلغة الشرع. ولأن الأيديولوجيا مجرد أفكار أو مشاريع أفكار من {قَوْلُ الْبَشَرِ} ، وليست عقيدة أو شريعة، فهي معرضة، بطبيعة الحال، للاستهلاك والزوال. فإما أن يغيبها موت أصحابها وإما أن يطويها الزمن، حيث لا فائدة منها إلا إضاعة الوقت والجهد، أو الوقوع فريسة الصراعات والانقسامات التي تفرزها. كما عليه أن يكون على بينة من أمره أنه لم ينج أحدا، إلا من رحم الله، من هذه الطامة الكبرى التي بلورت، مع الوقت، ما يمكن تسميته بـ «العقل الجبري» .
ولعله من الملفت للانتباه ملاحظة أن حال السنة في سعيهم إلى» الخلافة «مثلا صار كحال الشيعة في سعيهم إلى عودة «الإمام الغائب» !!! بل وحال كل ملة أو مجموعة أيديولوجية تنتظر الخلاص على يد مهديها المنتظر، حتى صرنا نعاين جماعات صار لها كربلائيتها أو مظلوميتها أو هلوكوستها أو محنتها التاريخية!! لكن من يستطيع مثلا أن يقطع في القول أننا نحتاج إلى وقت معين لإنجاز المهمة؟ أو أن هذا الحزب يمتلك المشروع الكامل لـ «استعادة الخلافة» ؟ أو أن هذه الدولة هي «نواة الخلافة» !؟ أو أن هذه الجماعة ستسلم الراية للمهدي؟ فهل مثل هذه الأطروحات من قول الله أم من {قَوْلُ الْبَشَرِ} ؟
ثالثا: نماذج أيديولوجية لمفاهيم عقدية
ثمة ثلاثة نماذج سنعاينها للوقوف على نمط «التفكير الجبري» في مواضع كبرى، هي: «الخلافة» و «تطبيق الشريعة» و «نظرية الإعداد» ، على أن نواصل النظر في الكثير من المفاهيم العقدية التي اعتدنا الترويج لها بعيدا عما تحاجه من فقه يخرجنا من دائرة الجدل الذي يفرزه «العقل الجبري» .
(1) الخلافة
ومن أمثلة هذا التفكير، في السياق، أن «العقل الجبري» ، رغم يقينه بعدم جدوى اختياراته ومناهجه، إلا أنه لا يجرؤ على التوقف عند عبارات حاسمة كالتي وردت مثلا في حديث الخلافة، أما لماذا؟ فلأن التوقف سيؤدي إلى انكشاف الأطروحة برمتها وربما هدمها!! وهو ما سيحرج صانعيها الذين قد يشعرون بانتقاص من كونهم كانوا على خطأ، وهذا إنْ حصل فليس له من توصيف إلا الكِبْر. وإلا؛ فكيف يكون هناك من يتحدث، مثلا، عن مشاريع خلافة و «نواة خلافة» والرسول صلى الله عليه وسلم في كل مرحلة من مراحل الحكم يقول: «تكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها» !!؟