وقال ابن رشد رحمه الله في المقدمات: (وجهاد بالسيف قتال المشركين على الدين، فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله إلا أن الجهاد إذا أطلق لا يقع إلا على مجاهدة الكفار بالسيف، وإنما يقاتل الكفار على الدين ليدخلوا من الكفر إلى الإسلام لا على الغلبة، فينبغي للمجاهد أن يعقد نيته أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ابتغاء ثواب الله) .
وقال الكمال بن الهمام رحمه الله: (قوله وقتال الكفار الذين لم يسلموا وهم من مشركي العرب أو لم يسلموا ولم يعطوا الجزية من غيرهم واجب وإن لم يبدءونا، لأن الأدلة الموجبة له لم تقيد الوجوب ببداءتهم، وهذا معنى قوله للعمومات لا عموم المكلفين، لأنه إنما يفيد الوجوب على كل واحد فقط فالمراد إطلاق العمومات في بداءتهم وعدمها خلافًا لما نقل عن الثوري، والزمان الخاص كالأشهر الحرم وغيرها خلافا لعطاء، ولقد استبعد ما نقل عن الثوري وتمسكه بقوله تعالى *;فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ*; فإنه لا يخفى عليه نسخه، وصريح قوله في الصحيحين وغيرهما"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"الحديث يوجب أن نبدأهم بأدنى تأمل، وحاصر - الطائف لعشر بقين من ذي الحجة إلى آخر المحرم أو إلى شهر، وقد يستدل على نسخ الحرمة في الأشهر الحرم بقوله تعالى *;اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ*; وهو بناء على التجوز بلفظ حيث في الزمان، ولا شك أنه كثر في الاستعمال) .
وقال محمد البابرتي رحمه الله: (وقتال الكفار الذين امتنعوا عن الإسلام وأداء الجزية واجب وإن لم يبدءوا بالقتال للعمومات الواردة في ذلك كقوله تعالى *;فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ*; *;وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ*; *;كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ*; وغيرها، فإن قيل العمومات معارضة بقوله تعالى *;فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ*; فإنه يدل على أن قتال الكفار إنما يجب إذا بدءوا بالقتال أجيب بأنه منسوخ، وبيانه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الابتداء مأمورًا بالصفح والإعراض عن المشركين بقوله *;فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ*; *;وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ*; ثم أمر بالدعاء إلى الدين بالموعظة والمجادلة بالأحسن بقوله تعالى *;اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ*; الآية ثم أذن بالقتال إذا كانت البداءة منهم بقوله تعالى *;أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ*;، وبقوله *;فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ*; ثم أمر بالقتال ابتداء في بعض الأزمان بقوله تعالى *;فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ*; الآية، ثم أمر بالبداءة بالقتال مطلقا في الأزمان كلها وفي الأماكن بأسرها فقال تعالى *;وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ*; الآية *;قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ*; الآية) .