فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 592

وَالْأَفْعَالِ وَقَالُوا إنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَا لَمْ يَكُنْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالْمُتَّقِينَ وَالْمُقْسِطِينَ وَيَرْضَى عَنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَلَا يَرْضَى بِالْقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَالُوا: مَعَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ أَعْيَانِهَا وَأَفْعَالِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} وَكَمَا قَالَ: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} {وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ} {وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَانْقِسَامَ الْخَلْقِ إلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} وَقَالَ تَعَالَى: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْمَقَامَ زَلَّ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ وَصَارُوا فِيهِ إلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعَظِّمُونَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ وَطَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ لَكِنْ ضَلُّوا فِي الْقَدَرِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ إذَا أَثْبَتُوا مَشِيئَةً عَامَّةً وَقُدْرَةً شَامِلَةً وَخَلْقًا مُتَنَاوِلًا لِكُلِّ شَيْءٍ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْحُ فِي عَدْلِ الرَّبِّ وَحِكْمَتِهِ وَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ. فَقَابَلَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ فَأَثْبَتُوا الْقَدَرَ وَآمَنُوا بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَا لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَهَذَا حَسَنٌ وَصَوَابٌ؛ لَكِنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَأَفْرَطُوا حَتَّى خَرَجَ غُلَاتُهُمْ إلَى الْإِلْحَادِ فَصَارُوا مِنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} فَأُولَئِكَ الْقَدَرِيَّةُ وَإِنْ كَانُوا يُشْبِهُونَ الْمَجُوسَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ أَثْبَتُوا فَاعِلًا لِمَا اعْتَقَدُوهُ شَرًّا غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَهَؤُلَاءِ شَابَهُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} فَالْمُشْرِكُونَ شَرٌّ مِنْ الْمَجُوسِ فَإِنَّ الْمَجُوسَ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى حِلِّ نِسَائِهِمْ وَطَعَامِهِمْ وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ وَطَعَامِهِمْ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَجُوسُ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْبَلْ الْجِزْيَةَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؛ بَلْ قَالَ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؛ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ} . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْقَدَرَ وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى إبْطَالِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت