الْغَفُورُ الْوَدُودُ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ بَطْشَهُ شَدِيدٌ وَأَنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. وَاسْمُ"الْمُنْتَقِمِ"لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مُقَيَّدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} وَقَوْلِهِ {إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي عَدَدِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ الْمُنْتَقِمُ فَذُكِرَ فِي سِيَاقِهِ {الْبَرُّ التَّوَّابُ الْمُنْتَقِمُ الْعَفُوُّ الرَّءُوفُ} لَيْسَ هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هَذَا ذَكَرَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ إلَّا التِّرْمِذِيُّ رَوَاهُ عَنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ بِسِيَاقِ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ بِاخْتِلَافِ فِي الْأَسْمَاءِ وَفِي تَرْتِيبِهَا: يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَسَائِرُ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ عَنْ الْأَعْرَجِ ثُمَّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ لَمْ يَذْكُرُوا أَعْيَانَ الْأَسْمَاءِ؛ بَلْ ذَكَرُوا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةٌ إلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ} وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا وَلَكِنْ رُوِيَ عَدَدُ الْأَسْمَاءِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سيرين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ ابْنُ ماجه وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ يَعْلَمُ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ فِي عَدَدِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا هَذَانِ الْحَدِيثَانِ كِلَاهُمَا مَرْوِيٌّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أُصُولٍ تَنْفَعُ فِي مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ لَا يَزَالُ يَحُوكُ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ. وَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَنَّ لِلَّهِ فِيمَا خَلَقَهُ وَمَا أَمَرَ بِهِ حِكْمَةً عَظِيمَةً كَفَاهُ هَذَا ثُمَّ كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا وَإِيمَانًا ظَهَرَ لَهُ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ مَا يُبْهِرُ عَقْلَهُ وَيُبَيِّنُ لَهُ تَصْدِيقَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ {اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً فَبِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى إنَّ الدَّابَّةَ لَتَرْفَعُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ وَاحْتَبَسَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ هَذِهِ إلَى تِلْكَ فَرَحِمَ بِهَا عِبَادَهُ} أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ الْجُمْهُورُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ كَأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ حِكْمَتَهُ فَلَا يَنْفُونَهَا - كَمَا نَفَاهَا الْأَشْعَرِيَّةُ وَنَحْوُهُمْ الَّذِينَ لَمْ يُثْبِتُوا إلَّا إرَادَةً بِلَا حِكْمَةٍ وَمَشِيئَةً بِلَا رَحْمَةٍ وَلَا مَحَبَّةٍ وَلَا رِضًى وَجَعَلُوا جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَوَاءً لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَى بَلْ مَا وَقَعَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ قَالُوا: إنَّهُ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ كَمَا يُرِيدُهُ وَإِذَا قَالُوا لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ دِينًا قَالُوا إنَّهُ لَا يُرِيدُهُ دِينًا وَمَا لَمْ يَقَعْ مِنْ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ عِنْدَهُمْ كَمَا لَا يُرِيدُهُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ مَعَ أَنَّهُ قَدَرُهُ وَقَضَاهُ - لَا يُوَافِقُونَ الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى إنْكَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعُمُومِ خَلْقِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا يُشَبِّهُونَهُ بِخَلْقِهِ فِيمَا يُوجِبُ وَيُحَرِّمُ كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ وَلَا يَسْلُبُونَهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بَلْ أَثْبَتُوا لَهُ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَنَزَّهُوهُ عَمَّا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ مِنْ الصِّفَاتِ