بِالثَّوَابِ؛ وَقَالُوا إنَّ فِعْلَ الْإِحْسَانِ إلَى الْغَيْرِ حَسَنٌ مَحْمُودٌ فِي الْعَقْلِ؛ فَخَلَقَ الْخَلْقَ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ حُكْمٌ؛ وَلَا قَامَ بِهِ فِعْلٌ وَلَا نَعْتٌ. فَقَالَ لَهُمْ النَّاسُ: أَنْتُمْ مُتَنَاقِضُونَ فِي هَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ إلَى الْغَيْرِ مَحْمُودٌ لِكَوْنِهِ يَعُودُ مِنْهُ عَلَى فَاعِلِهِ حُكْمٌ يُحْمَدُ لِأَجْلِهِ؛ إمَّا لِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ؛ وَإِمَّا لِقَصْدِهِ الْحَمْدَ وَالثَّوَابَ بِذَلِكَ؛ وَإِمَّا لِرِقَّةٍ وَأَلَمٍ يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ يَدْفَعُ بِالْإِحْسَانِ ذَلِكَ الْأَلَمَ وَإِمَّا لِالْتِذَاذِهِ وَسُرُورِهِ وَفَرَحِهِ بِالْإِحْسَانِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ الْكَرِيمَةَ تَفْرَحُ وَتُسَرُّ وَتَلْتَذُّ بِالْخَيْرِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا فَالْإِحْسَانُ إلَى الْغَيْرِ مَحْمُودٌ لِكَوْنِ الْمُحْسِنِ يَعُودُ إلَيْهِ مِنْ فِعْلِهِ هَذِهِ الْأُمُورَ حُكْمٌ يُحْمَدُ لِأَجْلِهِ أَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ وُجُودَ الْإِحْسَانِ وَعَدَمَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَاعِلِ سَوَاءٌ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ يَحْسُنُ مِنْهُ بَلْ مِثْلُ هَذَا يُعَدُّ عَبَثًا فِي عُقُولِ الْعُقَلَاءِ وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لَيْسَ فِيهِ لِنَفْسِهِ لَذَّةٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ لَا عَاجِلَةٌ وَلَا آجِلَةٌ كَانَ عَابِثًا وَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عَلَى هَذَا وَأَنْتُمْ عَلَّلْتُمْ أَفْعَالَهُ فِرَارًا مِنْ الْعَبَثِ فَوَقَعْتُمْ فِي الْعَبَثِ؛ فَإِنَّ الْعَبَثَ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ وَلَا فَائِدَةٌ تَعُودُ عَلَى الْفَاعِلِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَامُرْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ أَحَدًا بِالْإِحْسَانِ إلَى غَيْرِهِ وَنَفْعِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إلَّا لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَإِلَّا فَأَمْرُ الْفَاعِلِ بِفِعْلِ لَا يَعُودُ إلَيْهِ مِنْهُ لَذَّةٌ وَلَا سُرُورٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ وَلَا فَرَحٌ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ لَا فِي الْعَاجِلِ وَلَا فِي الْآجِلِ لَا يُسْتَحْسَنُ مِنْ الْآمِرِ. وَنَشَأَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي"مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ"فَأَثْبَتَ ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ وَحَكَوْا ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ وَنَفَى ذَلِكَ الْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَاتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ إذَا فُسِّرَا بِكَوْنِ الْفِعْلِ نَافِعًا لِلْفَاعِلِ مُلَائِمًا لَهُ وَكَوْنِهِ ضَارًّا لِلْفَاعِلِ مُنَافِرًا لَهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْعَقْلِ كَمَا يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ وَظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْمَعْلُومَ بِالشَّرْعِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَنَدَبَ إلَيْهَا هِيَ نَافِعَةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَصْلَحَةٌ لَهُمْ. وَجَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا هِيَ ضَارَّةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ وَالْحَمْدُ وَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى طَاعَةِ الشَّارِعِ نَافِعٌ لِلْفَاعِلِ وَمَصْلَحَةٌ لَهُ وَالذَّمُّ وَالْعِقَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ضَارٌّ لِلْفَاعِلِ وَمَفْسَدَةٌ لَهُ. وَالْمُعْتَزِلَةُ أَثْبَتَتْ الْحُسْنَ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِمَعْنَى حُكْمٍ يَعُودُ إلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِهِ. وَمُنَازِعُوهُمْ لِمَا اعْتَقَدُوا أَنْ لَا حُسْنَ وَلَا قُبْحَ فِي الْفِعْلِ إلَّا مَا عَادَ إلَى الْفَاعِلِ مِنْهُ حُكْمٌ نَفَوْا ذَلِكَ وَقَالُوا: الْقَبِيحُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ وَكُلُّ مَا يُقَدَّرُ مُمْكِنًا مِنْ الْأَفْعَالِ فَهُوَ حَسَنٌ؛ إذْ لَا فَرْقَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عِنْدَهُمْ بَيْنَ مَفْعُولٍ وَمَفْعُولٍ وَأُولَئِكَ أَثْبَتُوا حُسْنًا وَقُبْحًا لَا يَعُودُ إلَى الْفَاعِلِ مِنْهُ حُكْمٌ يَقُومُ بِذَاتِهِ إذْ عِنْدَهُمْ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ لَا وَصْفَ وَلَا فِعْلَ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتَنَاقَضُونَ. ثُمَّ أَخَذُوا يَقِيسُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَحْسُنُ مِنْ الْعَبْدِ وَيَقْبُحُ فَجَعَلُوا يُوجِبُونَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَا يُوجِبُونَ عَلَى الْعَبْدِ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ مَا يُحَرِّمُونَ عَلَى الْعَبْدِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الْعَدْلَ وَالْحِكْمَةَ مَعَ قُصُورِ عَقْلِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلَا يُثْبِتُونَ لَهُ مَشِيئَةً عَامَّةً وَلَا قُدْرَةً تَامَّةً فَلَا يَجْعَلُونَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا وَلَا يَقُولُونَ"مَا"