قَدِيمَةٌ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوْ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَالتَّسَلْسُلُ عِنْدَكُمْ جَائِزٌ فَإِنَّ أَصْلَ قَوْلِهِمْ إنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ مُتَسَلْسِلَةٌ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَإِنَّ حَرَكَاتِ الْفَلَكِ تُوجِبُ اسْتِعْدَادَ الْقَوَابِلِ لِأَنْ تَفِيضَ عَلَيْهَا الصُّوَرُ الْحَادِثَةُ مِنْ الْعِلَّةِ الْقَدِيمَةِ سَوَاءٌ قُلْتُمْ: هِيَ الْعَقْلُ الْفَعَّالُ أَوْ هِيَ الْوَاجِبُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ بِتَوَسُّطِ الْعُقُولِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوَسَائِطِ وَإِذَا كَانَ التَّسَلْسُلُ جَائِزًا عِنْدَكُمْ لَمْ يَمْتَنِعْ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ عَنْ غَيْرِ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِلْمَعْلُولِ وَإِنْ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ؛ بَلْ هَذَا خَيْرٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْ قَوْلِكُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِلَلِ: الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ خَلَقَهَا بِسَبَبِ حَادِثٍ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ خَيْرًا مِنْ قَوْلِكُمْ إنَّهَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ مَعَهُ فِي الشَّرْعِ وَكَانَ أَوْلَى فِي الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ هَذِهِ الْأَفْلَاكِ حَتَّى يُعَارِضَ الشَّرْعَ وَهَذِهِ الْحُجَّةُ الْعَقْلِيَّةُ إنَّمَا تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ شَيْءٌ إلَّا بِسَبَبِ حَادِثٍ فَإِذَا قِيلَ: إنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَا حَدَثَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي حُجَّتِكُمْ الْعَقْلِيَّةِ مَا يُبْطِلُ هَذَا. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ: حُدُوثُ حَادِثٍ بَعْدَ حَادِثٍ بِلَا نِهَايَةٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا فِي الْعَقْلِ أَوْ مُمْتَنِعًا؛ فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي الْعَقْلِ لَزِمَ أَنَّ الْحَوَادِثَ جَمِيعَهَا لَهَا أَوَّلٌ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ بِقِدَمِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ مَا أَحْدَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَوْقُوفًا عَلَى حَوَادِثَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِيمَا يَحْدُثُ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَالْمَطَرِ وَالسَّحَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ فَسَادُ حُجَّتِكُمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. ثُمَّ يُقَالُ: إمَّا أَنْ تُثْبِتُوا لِمُبْدِعِ الْعَالَمِ حِكْمَةً وَغَايَةً مَطْلُوبَةً وَإِمَّا أَنْ لَا تُثْبِتُوا؛ فَإِنْ لَمْ تُثْبِتُوا بَطَلَ قَوْلُكُمْ بِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الغائية وَبَطَلَ مَا تَذْكُرُونَهُ مِنْ حِكْمَةِ الْبَارِي تَعَالَى فِي خَلْقِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَ (أَيْضًا فَالْوُجُودُ يُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ يَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ كَإِحْدَاثِهِ سُبْحَانَهُ لِمَا يُحْدِثُهُ مِنْ نِعْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقْتَ حَاجَةِ الْخَلْقِ إلَيْهِ كَإِحْدَاثِ الْمَطَرِ وَقْتَ الشِّتَاءِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَإِحْدَاثِهِ لِلْإِنْسَانِ الْآلَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ وَإِنْ أَثْبَتُّمْ لَهُ حِكْمَةً مَطْلُوبَةً - وَهِيَ بِاصْطِلَاحِكُمْ الْعِلَّةُ الغائية - لَزِمَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا لَهُ الْمَشِيئَةَ وَالْإِرَادَةَ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْقَوْلَ: بِأَنَّ الْفَاعِلَ فَعَلَ كَذَا لِحِكْمَةِ كَذَا بِدُونِ كَوْنِهِ مُرِيدًا لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ تَنَاقُضًا وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ الْعَالَمَ، وَالْعِلْمَ هُوَ الْإِرَادَةَ وَالْإِرَادَةَ هِيَ الْقُدْرَةَ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. (وَأَمَّا التَّقْدِيرُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّهُ فَعَلَ الْمَفْعُولَاتِ وَأَمَرَ بِالْمَامُورَاتِ لِحِكْمَةِ مَحْمُودَةٍ فَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ النَّاسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَقَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَقَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ والكرامية وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَأَهْلِ التَّفْسِيرِ وَقَوْلُ أَكْثَرِ قُدَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَأَبِي الْبَرَكَاتِ وَأَمْثَالِهِ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ. (مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْحِكْمَةَ الْمَطْلُوبَةَ مَخْلُوقَةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ أَيْضًا؛ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ؛ وَقَالُوا: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إحْسَانُهُ إلَى الْخَلْقِ؛ وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَمْرِ تَعْوِيضُ الْمُكَلَّفِينَ