أَمِينٍ قَالَ: ذَاكُمْ جِبْرِيلُ وَالْخَيْبَةُ لِمَنْ يَقُولُ: أَنَّ إيمَانَهُ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ وَرَوَاهُ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَد وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: لَقَدْ أَتَى عَلَيَّ بُرْهَةٌ مِنْ الدَّهْرِ وَمَا أَرَانِي أُدْرِكُ قَوْمًا يَقُولُ أَحَدُهُمْ:"إنِّي مُؤْمِنٌ مُسْتَكْمِلُ الْإِيمَانِ ثُمَّ مَا رَضِيَ حَتَّى قَالَ: إيمَانِي عَلَى إيمَانِ جِبْرِيلَ وميكائيل وَمَا زَالَ بِهِمْ الشَّيْطَانُ حَتَّى قَالَ أَحَدُهُمْ: إنِّي مُؤْمِنٌ وَإِنْ نَكَحَ أُخْتَهُ وَأُمَّهُ وَبِنْتَهُ وَاَللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْت كَذَا وَكَذَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا وَهُوَ يَخْشَى النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي"صَحِيحِهِ"قَالَ: أَدْرَكْت ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ؛ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إيمَانُهُ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ. وَرَوَى البغوي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنْت عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فَجَاءَ ابْنُهُ يَعْقُوبُ فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ إنَّ أَصْحَابًا لِي يَزْعُمُونَ أَنَّ إيمَانَهُمْ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ؛ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَيْسَ إيمَانُ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ كَإِيمَانِ مَنْ عَصَى اللَّهَ. قُلْت: قَوْلُهُ عَنْ"الْمُرْجِئَةِ": إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ لَيْسَتَا مِنْ الدِّينِ قَدْ يَكُونُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: لَيْسَتَا مِنْ الْإِيمَانِ وَأَمَّا مِنْ الدِّينِ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَتَا مِنْ الدِّينِ؛ وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُمَا مِنْ الدِّينِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ اسْمِ الْإِيمَانِ وَاسْمِ الدِّينِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ الَّتِي يَقُولُونَهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ: وَلَمْ أَرَ أَنَا فِي كِتَابِ أَحَدٍ مُهِمٍّ أَنَّهُ قَالَ: الْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِنْ الدِّينِ بَلْ يَقُولُونَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَكَذَلِكَ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ عَمَّنْ نَاظَرَهُ مِنْهُمْ فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ وَغَيْرَهُ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ مِنْ الدِّينِ؛ فَذَكَرَ قَوْلَهُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} إنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا كَمَّلَ الدِّينَ الْآنَ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ كَانَ كَامِلًا قَبْلَ ذَلِكَ بِعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِمَكَّةَ حِينَ دَعَا النَّاسَ إلَى الْإِقْرَارِ حَتَّى قَالَ: لَقَدْ اُضْطُرَّ بَعْضُهُمْ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْحُجَّةُ. . إلَى أَنْ قَالَ: إنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِجَمِيعِ الدِّينِ وَلَكِنَّ الدِّينَ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ: الْإِيمَانُ جُزْءٌ؛ وَالْفَرَائِضُ جُزْءٌ وَالنَّوَافِلُ جُزْءٌ. قُلْت: هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَوْمِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا غَيْرُ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ أَلَا تَسْمَعُ إلَى قَوْلِهِ: {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} وَقَالَ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} . وَقَالَ: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ بِرُمَّتِهِ؛ وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ ثُلُثُ الدِّينِ. قُلْت: إنَّمَا قَالُوا: إنَّ الْإِيمَانَ ثُلُثٌ وَلَمْ يَقُولُوا إنَّ الْإِيمَانَ ثُلُثُ الدِّينِ. لَكِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَمُسَمَّى الدِّينِ وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَلَامَ فِي مُسَمَّى هَذَا وَمُسَمَّى هَذَا فَقَدْ يُحْكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ لَيْسَتَا مِنْ الدِّينِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ اسْمِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ كِلَاهُمَا مِنْ الدِّينِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ اسْمِ الْإِيمَانِ وَاسْمِ الدِّينِ وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُعَظِّمًا لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَيَقُولُ: لَيْسَ فِي التَّابِعِينَ أَتْبَعُ لِلْحَدِيثِ مِنْهُ وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ: مَا رَأَيْت مِثْلَ عَطَاءٍ وَقَدْ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ الْحُجَّةَ عَنْ عَطَاءٍ. فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مَيْمُونٌ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ الشَّافِعِيِّ سَمِعْت أَبِي يَقُولُ لَيْلَةً للحميدي: مَا يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ يَعْنِي أَهْلَ الْإِرْجَاءِ بِآيَةِ أَحَجُّ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا"