كان الزنكيون ملوكًا ولهم مفاسد، والأيوبيون نفس الشيء، والمماليك كذلك، ولكنهم اجتمعوا على أمر واحد وهو جهاد الصليبيين وجهاد التتار ودفع الصائل. ومما يُقال لفلاسفة وفقهاء هذا العصر أنّ حالة ملوك ذلك الزمان أنّ فيهم مشاكل والحكم فاسد وليس كله على مقتضى الشريعة، ولكن مساره العام وعمومه بالشريعة فهم أمراء شرعيون.
الأمر الآخر كانت البدع والصوفية وبلاويها ضاربة فيهم وفي الأمة وفي مشايخ الأمة، واقرأ تاريخ ذلك الزمان كيف كانوا، وخاصة عندما جاء الأمراء الجهلة، هؤلاء أصلًا أكراد وأتراك، وأجهل منهم المماليك، فهم عبيد جاؤوا بهم من وسط آسيا، يعني لا يفهمون الإسلام والعقائد.
حتى تجد عندما تقرأ في كتب ابن تيمية وفي كتب الأئمة في ذلك الزمان تجد أنهم سئلوا: كيف نجاهد ونقاتل مع جند الشام ومصر وفيهم البدع، وملكهم في مصر يحج إلى قبر السيد البدوي وكذا؟ وفيهم المنكرات والخمور والمعاصي وفيهم الغلول وفيهم كل البلاوي، كيف نقاتل معهم؟ فهذا موجود في كتب الفقه.
فكان جواب ابن تيمية: ماذا سيصير لأهل الإسلام لو لم ندافع عن بيضة المسلمين وحريمهم وملكهم مع هؤلاء؟! جيش الشام ومصر في هذا الزمان هو الطائفة المنصورة التي تدافع عن أهل الإسلام. فنقاتل معهم ونشتغل معهم.
فهذا من فقه تلك المرحلة وهو يلزمنا جدًّا لهذا الزمان، لأنه من المؤكّد أن هذه الحالات التي نراها الآن هي أفضل من حالة ذلك الزمان، فهذه من وحي التاريخ على الهامش لأنها تلزمنا في العمل.
الأمر الآخر أن هؤلاء الناس على فسادهم في الملك والرشاوي وقطع الأراضي ومفاسد الملكية والبلاط، ومفاسد النساء، والتاريخ سجّل، ولكن على هذا كان لهم فضيلة واحدة وهي إخلاصهم في قضية جهاد الصليبيين.
قطز هذا الرجل الصالح -كما نحسبه ونسأل الله أن يجزيه عن الإسلام خيرًا- حارب الصليبيين من ناحية والتتار من ناحية، وعندما جاء التتار خمدت الصليبية فأصبح الأساس هو قتال التتار.
وهنا لفتة لهذا الشيخ الصالح العز بن عبد السلام نذكّر بها مشايخنا في هذا الزمان، أنه هرب من الشام واحتسب على هؤلاء في مصر، ومن المصائب أنّه ما كاد ينزل في هذه الدولة الجديدة مصر حتى حصل فيها انقلاب وقام المماليك فحكموها، فماذا فعل؟
أمراء المماليك كانوا ضباطًا عسكريين لا علم ولا فهم، جهلة أصحاب سيوف يقتّلون بعضهم على الملك. أصلًا كان هناك قانون عند المماليك أن الملك الذي يتولَّى يجب أن يقتل الذي قبله، فغالب ملوك المماليك انتقل لهم الملك بالقتل، فبقتل سيده يصير ملكًا، فبسبب قتله يكبر في عين الأمراء فيحترمونه ويخافون منه ويبايعونه.