أما الصالح إسماعيل هذا فذهب للصليبيين ليستعين بهم حتى يعطوه جيشًا ليحارب به أخاه في مصر، ومن أجل هذه القضية أعطاهم مجموعة من القلاع على حدود لبنان وفلسطين وأجاز لهم أن يشتروا السلاح في أسواق دمشق من أجل أن يساعدوه على أخيه!
وكان إمام المسلمين في ذلك الزمان وفقيههم وقاضي الناس الإمام سلطان العلماء العز بن عبد السلام. فخطب خطبة في جامع دمشق مُؤدَّاها ومَفَادها إسقاط شرعية الصالح إسماعيل. فأخذوه ووضعوه في السجن وله قصة. المهم أن الرجل لجأ إلى نجم الدين أيوب في مصر.
وهنا لفتة في العلماء كنا وعدنا أن نذكرها وهي أنّه لم يقل: أنا مستضعف في مصر فأسكت على المفاسد التي عند نجم الدين، بل احتسب وأنكر عليه كما احتسب على الصالح إسماعيل وكان موقفه شديدًا، وقصته جميلة جدًّا ليس هناك مجال لذكرها الآن.
فمن أول نزوله لمصر رأى مصانع للخمور، فأخذ تلاميذه وقاموا بهدمها، وبلغ الخبر نجم الدين -هذا الذي يقطع رؤوس الأمراء- فلم يجرؤ أن يتكَّلم مع سلطان العلماء، ومع ذلك تعرَّض العز بن عبد السلام لموكبه وقال له:"يا نجم الدين -ولم يناده باللقب- كيف تركت الخمور وهذه البلاوي ولم تهدمها؟". قال له:"يا إمام وجدتها من عهد والدي"، قال له:"إذًا أنت من الذين يقولون {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [1] ". فسقط من على جواده وتأثر بهذه الموعظة، مع أن هذا العالم المسكين كان هاربًا لا نصير له.
وكان له موقفًا ثالثًا في تلك المرحلة؛ في نهاية الدولة الأيوبية كان الأيوبيون في الشام والأيوبيون في مصر قد استكثروا من المماليك، فكانوا يأتون بالعبيد من أسواق العبيد ومن سبي الفتوح وخاصة من بلاد التركستان وسط آسيا وأوزبكستان وأفغانستان.
فأكثروا من العبيد، وكانوا يأتون بالجواري للبيت والمطبخ، والعبيد للخيل والسلاح، فالذي عنده مائة عبد معناها عنده مائة مقاتل، والذي عنده ألف عبد عنده ألف مقاتل، فكانوا يسلّحون عبيدهم ويصنعون منهم الكتائب.
فانتبه العبيد إلى أن القوة بيدهم والقيادة بيد غيرهم، فعلى ماذا يصير هؤلاء المفاعيص ملوكًا؟ فقاموا عليهم بانقلاب، واستلم المماليك العبيد حكم مصر، وتبع لهم بذلك حكم الشام، فأصبحت الشام ومصر تحت حكم دولة المماليك.
انتهينا من دولة الزنكيين التي أتت بدولة الأيوبيين، ومن دولة الأيوبيين التي أتت بدولة المماليك. وفي تلك الفترة كان العالم الإسلامي يتعرض لاجتياح التتار. وأصبح أمام المسلمين في دولة المماليك وآخر دولة الأيوبيين خطران: خطر الصليبيين في الشام، وخطر التتار القادمين من الشرق.
(1) سورة الزخرف، الآية: 22.