في تاريخ البحرية العثمانية وهو سلطان البحر المتوسط، فلا يسمحون لسفينة أن تمر إلا ويأخذون منها ضريبة.
ومن مآثر العثمانيين وإنجازاتهم أنهم سمّوا البحر الأحمر (بحر الحرم) ؛ لأن جدة في الحرم وهي على البحر الأحمر، فقالوا كيف تمر سفن النصارى قرب جدة والحرم لا يدخله النصارى، فمنعوا سفن النصارى من المرور بالبحر الأحمر.
وفرضوا على النصارى أن يسلّموهم البضائع في مضيق باب المندب فتنقلها السفن العثمانية شمالًا، فيسلموهم البضاعة قرب قناة السويس حتى لا يمروا بالبحر الأحمر.
فهم ملكوا البحار، فسموا البحر الأحمر بحر الحرم. أما البحر الأبيض المتوسط فكتبوا عليه (بحيرة عثمانية) ، حتى أن صحفيًا إنجليزيًا سأل السلطان عبد المجيد -وهو من السلاطين المتأخرين-، فقال له:"كيف تسمّون البحر الأبيض المتوسط بحيرة عثمانية وشماله للروم وفقط تسيطرون على جنوبه؟"، فقال له:"نحن نسيطر عليه ولهذا نسميه بحيرة عثمانية"، فقال له:"إذا كان البحر الأبيض المتوسط بحيرة عثمانية فماذا تسمي البحر الأسود؟"وهو كله داخل الحدود العثمانية، وكان عنده قصر على ساحل البحر الأسود في إسطنبول فقال له:"هذا مسبح قصري"، وفعلًا كان بعض السلاطين ومنهم هذا السلطان عبد المجيد -وكان عملاقًا- يعبرون مضيق البسفور ذهابًا وإيابًا سباحة في"مسبح قصره"!.
المهم أقام العثمانيون حضارة عسكرية قوية جدًا، فأصبح كل مسلمي العالم من الهند للمغرب يشعرون بالانتماء للعثمانيين، حتى أنه عندما غزا الروس سنة 1840 م مسلمي وسط آسيا أرسل إليهم أنور باشا وزير الحربية العثماني مندوبين فقاتلوا مع الإمام شامل، وكان هناك خبراء عسكريون عثمانيون يقاتلون إلى جانب الأوزبك ضد الروس، يعني شعروا بمسؤوليتهم عن كل العالم الإسلامي، حتى أن هذا المندوب الذي أرسلوه قُتل في المعارك.
فالعثمانيون قاتلوا في فرغانة وقاتلوا في أوزبكستان وقاتلوا في الهند وقاتلوا في اليمن ودافعوا عن الحرم وقاتلوا في الجزائر، فكانوا هم يحملون راية الجهاد، وهذا من مآثرهم.
فبعد دول الطوائف والضياع الذي حصل أن الأتراك استطاعوا أن ينشئوا الخلافة العثمانية، وتجرأوا على مسألة لم يتجرأ عليها أحد قبلهم، فقاموا وأخذوا مصحف عثمان وجبَّة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والعصا والسيف التي كانت رموزًا عند كل خليفة، وأعلنوا خليفة عثمانيًا، فصار الخليفة ولم يعد فقط السلطان.
وإلى جانب الخليفة كان هناك (شيخ الإسلام) وهو مفتي الدولة العثمانية، وكان من أواخرهم في آخر الدولة العثمانية الشيخ مصطفى صبري، وله كتاب مهم جدًا في كشف الحركات القومية والعلمانية التي ظهرت في آخر الدولة العثمانية، وهو كتاب (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين) .