بسبب من عند أنفسنا ـ لا نعلمها بادئ ذي بدء، فإن الله تعالى يعلمها، كما قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} .
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره، قال - -صلى الله عليه وسلم-:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا ـ أي اقترعوا ـ على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا". أي إن أخذوا على أيدي أهل الباطل والفساد والشر بالجهاد والإنكار .. نجوا، ونجوا جميعًا، ونجت معهم البلاد من الغرق والضياع .. من كل ما يدخل في معاني الهلاك .. وكل من ينجو من مطلق الهلاك تحققت له ولا بد الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة.
وإذا كان في الجهاد حياة حقيقية فإن من لوازم تركه العذاب والحياة الضنك وتحقيق الموت الحقيقي للبلاد والعباد .. موت حقيقي لمعاني الحرية والعزة والكرامة .. !
ما قيمة الأجساد إذا كانت تدب على الأرض .. وجميع الحرمات ومعاني إنسانية الإنسان تنتهك وتُقتل .. ؟!
قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا} طه:124. ومن الذكر الجهاد في سبيل الله ..
وقال تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليما} التوبة:39. والعذاب هنا يشمل عذابي الدنيا والآخرة .. عذاب الدنيا لما يترتب على ترك الجهاد وتسليم الأعناق والحرمات لرحمة الطواغيت .. وعذاب الآخرة بسبب عصيان أمر الله تعالى بجهاد الطواغيت الظالمين.
مصداق ذلك في السنة قوله - -صلى الله عليه وسلم-:"ما ترك قوم الجهادَ إلا عمهم الله بالعذاب" (1) .
وقال - -صلى الله عليه وسلم-:"إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (2) . أي ترجعوا عما كان سببًا في ذِلِّكم .. وهو ترك الانشغال بما تقدم ذكره في الحديث عن الجهاد في سبيل الله .. فسمى الله تعالى الجهاد بالدين .. فمن ترك الجهاد فقد ترك الدين .. ومن رجع إلى الجهاد رجع إلى الدين!
وقد تقدم قوله - -صلى الله عليه وسلم-:"من لم يغز، أو يجهز غازيًا، أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة". قارعة .. الله أعلم بحجمها ونوعها .. !
وقال - -صلى الله عليه وسلم-:"يوشك الأمم أن تداعى عليكم ـ أي تجتمع وتتكالب ـ كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" (3) .
صدق رسول الله - -صلى الله عليه وسلم- - .. فأي هوان وأي ذلٍّ تعيشه أمة الإسلام في هذا الزمان بسبب تركها للجهاد (4) .. تأمل مصابها في بلاد الشام وبخاصة منها فلسطين .. ثم تأمل مصابها في البوسنة والهرسك، وفي كوسوفو وكيف أن الناس ضربوا في الوديان والغابات يؤاثرون وحشية
ـــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة:2663.
(2) أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة:11.
(3) أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة:958.
(4) مع ضرورة الإشارة إلى وجود الطائفة المنصورة المجاهدة التي يُحيي الله تعالى بها فريضة الجهاد .. وهي طائفة موجودة على مدار الزمان، لا يمكن أن يخلو زمان من وجودها ومن أثر لها .. كما أفادت بذلك أحاديث نبوية عديدة ولله الحمد .. وإني لأرجو أن يكون المجاهدون الموحدون في الشيشان وفي فلسطين من هذه الطائفة المنصورة إن شاء الله .. نسأل الله تعالى لهم الثبات والنصر على الأعداء.