والواقع أن دوزي لا يجد في أقوال الرواية العربية كثيرًا من الأسانيد المؤيدة لحملته، ولا يعتمد في ذلك إلا على ملخص لفقرتين أوردهما المراكشي في"المعجب"، يقول في أولاهما ما يأتي:
"واختلت حال أمير المسلمين رحمه الله (مشيرًا إلى علي بن يوسف) بعد الخمسمائة اختلالا شديدًا، فظهرت في بلاده مناكر كثيرة، وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد، ودعواهم الاستبداد، وانتهوا في ذلك إلى التصريح، فصار كل منهم يصرح، بأنه خير من أمير المسلمين، وأحق بالأمر منه، واستولى النساء على الأحوال، وأسندت إليهن الأمور، وصارت كل امرأة من أكابر لمتونة ومسّوفة تشتمل على كل مفسد وشرير وقاطع طريق، وصاحب خمر وماخور، وأمير المسلمين في ذلك كله يتزيد تغافله، ويقوي ضعفه، وقنع باسم إمرة المسلمين، وبما يرفع إليه من الخراج، وعكف على العبادة والتبتل، فكان يقوم الليل ويصوم النهار، مشتهرًا عنه ذلك. وأهمل أمور الرعية غاية الإهمال، فاختل لذلك عليه كثير من بلاد الأندلس، وكادت تعود إلى حالها الأولى، ولاسيما مذ قامت دعوة ابن تومرت بالسوس" [1] .
ويقول في الثانية:"وكان (أي علي بن يوسف) رجلا صالحًا مجاب الدعوة، يعد في قوام الليل، وصوام النهار، إلا أنه كان ضعيفًا مستضعفًا، ظهرت في آخر زمانه مناكر كثيرة، وفواحش شنيعة، من استيلاء النساء على الأحوال، واستبدادهن بالأمور، وكان كل شرير من لص أو قاطع طريق، ينتسب إلى امرأة قد جعلها ملجأ له وزرًا على ما تقدم" [2] .
هذا ما يقوله المراكشي. ولنلاحظ أولا أن المراكشي يجانب الدقة التاريخية في أحيان كثيرة، وهو ما يعترف به ويعتذر عنه في مقدمته، ثم هو بعد ذلك كاتب ومؤرخ موحدي من أولياء الدولة الموحدية وصنيعة بعض أمرائها، ومن ثم فإنه يصعب علينا أن نتخذ من أقواله دائمًا حجة قاطعة، ومن جهة أخرى فإنه يوجد إلى جانب هذه الأقوال، أقوال أخرى لمؤرخين وكتاب، عاش بعضهم في العهد المرابطي أو قريبًا منه، تشيد بحكم المرابطين وأيامهم، فمن ذلك ما يقوله صاحب الحلل الموشية، معلقًا على عهد يوسف بن تاشفين:
(1) المعجب ص 98 و 99.
(2) المعجب ص 103.