والثانية: أن التحديات التي يتلقاها جيل النشأة الجديدة هي أعنف التحديات وأشقها وأقساها.
ومن شأن التحديات دائمًا أن تشحذ النفوس الحية وتستخلص منها أقصى طاقتها. فإذا اجتمع الأمران معًا: جدة النفوس، وعنف التحديات فنستطيع أن نتصور الفاعلية الهائلة التي تكون لتلك النفوس، وهي تعمل في واقع الحياة.
يضاف إلى ذلك أن أصحاب النشأة الجديدة؛ هم من ناحية أقدر الناس على تقدير النعمة الجديدة حق قدرها، فقد عايشوا الجاهلية من قبل ثم انتقلوا إلى الإسلام، فأدركوا -بالممارسة- عظم النقلة التي انتقلوها من الجاهلية إلى الإسلام، كما قال عمر رضي الله عنه:"لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية"! أي لا يقدره قدره إلا من أدرك الفارق بينه وبين الجاهلية.
وهذا يجرنا إلى سؤال نرى من الضروري تحديد الإجابة عليه:
إذا كان هذا الجيل المتفرد غير قابل للتكرار -أو هو على الأقل لم يتكرر حتى اللحظة الحاضرة- فما قيمته؟ ما دوره بالنسبة للإسلام والمسلمين؟ ألا يكون مجرد ذكرى لشيء لا يمكن أن يعود؟
وإذا كانت هناك ظروف خاصة أحاطت بنشأة ذلك الجيل غير قابلة للتكرار، وكان لها أثر عميق في نشأته، كوجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشخصه الكريم بين ظهرانيهم، وتأثير النشأة الجديدة في نفوس الجيل الذي عاصر تلك النشأة، فأنّى يرجى أن تقوم للإسلام صورة في الواقع على نسق تلك الصورة الأخاذة التي قامت ذات يوم؟!
وتحتاج الإجابة إلى تحديد واضح.
أي شيء في ذلك الجيل المتفرد هو غير قابل للتكرار، أو على الأقل لم يتكرر حتى هذه اللحظة؟ أهو الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع، أم هي الدرجة العالية الفذة التي وصل إليها ذلك الجيل في تحقيق تلك الخصائص في عالم الواقع؟!!
أحسب أن القضية الآن أصبحت واضحة.
إن الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع مستمدة بكاملها من القرآن والسنة، أي: من العنصرين الدائمين في حياة المسلمين، المحفوظين بقدر الله ومشيئته.
وفي هذين المصدرين كل"المواد"اللازمة لبناء الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة المسلمة والدولة المسلمة في أي عصر من عصور التاريخ يرغب المسلمون في البناء، ويعزمون على بذل الجهد اللازم له.
أما الذي صنعته الظروف الخاصة فهو تلك الدرجة الفذة في تحقيق الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي، المستمدة كلها من الكتاب والسنة .. وتلك الدرجة -لا الخصائص نفسها- هي التي لم تتكرر في التاريخ.