فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 117

وأما في حالة امتلاكنا للقوة التي تغنينا عنهم فليس من المهم حينها أن ندعوهم للحق، ولا أن نأخذ بأيديهم إليه، بل لا يهم إن أصبحنا سببا في إضلالهم، وصدهم عن سبيل الله، وتمكين شياطين الإنس والجن منهم، ولا يعنينا أن يسيطر عليهم النظام العالمي وأذنابه!!

ويردد أصحاب هذه النظرة عبارات من قبيل: (دعك من الناس، فالناس على دين ملوكهم) أو (الناس تبع لمن غلب) لسان حال هؤلاء أننا لسنا بحاجة لأن نعطل أنفسنا بمخاطبة الناس وتفهيمهم والترفق بعقولهم ونفوسهم، ولا حتى من باب إقامة الحجة البالغة التامة عليهم، فالمهم أن نحقق أهدافنا!، ولا أدري أي أهداف تلك التي يُخلع عنها ثوب الدعوة للحق، وتُفرغ من معاني الرسالة!

وهذه نظرة على المستوي المنهجي قاتلة، إن مخاطبة أمتنا المغيبة وحرصنا على وصول رسالة الحق لهم بلا تشويش هي بالنسبة إلينا ضرورات منهجية، ليست متوقفة على رد فعل الأمة، ولا على المكاسب السياسية والعسكرية التي سنحققها من وراء ذلك على الأرض، بل هي جزء من منهجنا الذي لن نتخلى عنه! قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّه وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

إن أكبر خطيئة ارتكبها الحاملون للواء التغيير منذ عقود هي خطيئة إقصاء عموم الأمة والشعوب عن هذه المعركة واحتكارها، إما عمدا بتصورات ومناهج وأفكار إقصائية غير منضبطة كما بينا، وإما بسبب الخطاب السيئ، هذه الخطيئة قد تسببت للأسف في تحييد الأمة عن معركتها الفاصلة والحاسمة ونقل القضية من الحالة الشعبية التي يجب أن تكون عليها إلى حالة نخبوية إقصائية معزولة على كل المستويات، مما سهل على العدو مواجهتها والتنكيل بأصحابها والقضاء عليهم، هذا غير الوقوع في المخالفة الشرعية أصلا بهذا الإقصاء والقصور في التبيين، وقد قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ، كما أمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريض على القتال في نفس الوقت الذي أمره فيه بالقتال فقال: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين)

ومن الناحية الواقعية فإن طبيعة المواجهة اليوم قد أكدت بوضوح أن السعي لخوضها"نيابة عن الأمة"هو دور فشل فيه كل من قام به حتى لو حقق في البداية بعض الإنجازات، وأن السبيل الصحيح شرعا وعقلا هو السعي لخوض المعركة"مع الأمة"لا بديلا عنها ما دام السبيل لذلك ممكنا، فتحريك عموم الأمة وحضهم على خوض المعركة والسعي لرفع وعيهم وكشف خيوط المؤامرة التي تحاك لهم هو واجب حتمي لا ينبغي التقصير فيه ولا الانشغال عنه أبدا، بل إن إدخال الأمة للمعركة هو في الحقيقة جزء من معركتنا، كلامنا هذا ليس من أجل يحافظ حاملي لواء التغيير على أنفسهم ويقوها بدروع الأمة البشرية! فالتحريض وصناعة الوعي في الأمة لن يقدر عليه فعلا إلا من هم في صفوف المواجهة الأولى، وهؤلاء على خير استجاب الناس لهم أو لم يستجيبوا، ولهذا قدم الله الأمر بالقتال على الأمر بالتحريض.

وقد بينا في الفصلين الماضيين كيف أن العدو يجعل مركز ثقله في المعركة الشعوب، فقد تعلم الاحتلال من أخطاء الماضي ولكننا لا نتعلم من أخطاء أنفسنا، لقد عرف أعداؤنا أنهم لا سبيل لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت