فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 117

ولذلك فإنني وإن كنت أصف العدو بأنه جاهلي القيم والسلوك إلا أنني لا أتفق أبدا مع من يصف مجتمعات الأمة وشعوبها بأنها مجتمعات جاهلية أو أنها شعوب جاهلية، كاستعمال الكلمة الشهيرة (مجتمع جاهلي) وهي كلمة حمالة أوجه، ويمكن أن تفسر بمعانٍ مختلفة بعضها صحيح وواقعي وبعضها في غاية البطلان، تلك الأوصاف التي فتحت أبوابا من الغلو والإقصاء كثيرة، والمجتمعات والشعوب في مجملها شعوب ومجتمعات مسلمة واقعة لا شك في عناصر من الجاهلية كثيرة جدا، وليسوا وحدهم، بل كثير من الذين يصفون الشعوب والمجتمعات بأنها جاهلية هم كذلك واقعون في أنواع أخرى كثيرة من الجاهلية، ومع ذلك قد تراهم يتعاملون عمليا باعتبار أنهم وحدهم المسلمون وأن الجاهلية هي كل من ليس في جمعهم، فأدخلوا عموم الشعوب بلسان الحال لا المقال في جاهلية العدو الكاملة، واعتبروهم هم والعدو سواء، بل هناك من أدخلهم بلسان المقال كذلك وليس فقط بلسان الحال كجماعات التكفير التي أعلنت كفر المجتمعات صراحة!

وكان الأثر العملي لهذه الأفكار غير المنضبطة كلها هو إقصاء الشعوب تماما عن معركة التغيير الفاصلة، وعدم السعي في تصدير خطاب يفهمونه ويعقلونه، بل وإنزالهم منزلة العدو في العداء والاستعداء! والعجيب أن هذا الإقصاء أيضا قد فعله كثير من غير""الإسلاميين""من أصحاب الأطروحات النخبوية والذين يصرون على أن يعيشوا فوف السحاب ويعتبرون أن الشعوب لا يحق لها أن تفهم أصلا! لقد كان نتيجة ذلك كله استفراد الطواغيت بالشعوب حتى تمكنوا بجدارة - عبر الإعلام وما يصدرونه من خطابات- من إخراج أسوأ ما في الشعوب، بينما عجز الحاملون للواء التغيير عن إخراج أفضل ما في الشعوب، وهذا لا يعفي الشعوب من تحمل إثم جهلهم وسطحيتهم واتباعهم لهواهم، لكنهم في النهاية كالطفل بين يدي مخادعه، قد يصيبك منه أذى ولكنك لا تستطيع أن تساوي بينه وبين المخادع نفسه، خاصة إذا لم تكن قد حدثته بما يعقله ويفهمه بعد!

وقد وجدت بعض المنتسبين للعمل"الإسلامي"يفترضون أن هناك تطابقا بين وضع""الإسلاميين""اليوم في الأمة وحال النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في قريش!، ومن هذا المنطلق بدؤوا في بناء تصورهم الخاص عن التغيير باعتبار أن الجاهلية هي كل من انفصل عن""الإسلاميين""، وهو خطأ فاحش، فإن الحقيقة أن جميع فئات الأمة اليوم سواء كانوا عواما أو غير عوام بما فيهم""الإسلاميون""أنفسهم كلهم فيهم من عناصر الجاهلية والإسلام، فإذا كانت الشعوب فيها من عناصر الجاهلية الكثير، ففي التيارات والجماعات المنتسبة للعمل الإسلامي كذلك من عناصر الجاهلية أنواع أخرى كثيرة، هذا على المستوى الجماعي، وأما على المستوى الفردي فقد تجد بعض الأفراد ممن لا ينسبون أنفسهم للتيارات""الإسلامية""هم أصح فطرة وأقوم دينا وفكرا وخلقا وأسلم قلبا من كثير من الأفراد المتلقبين بلقب""إسلاميين"".

هل نحن مضطرون أصلا لمخاطبة شعوبنا ودعوتهم ومحاولة توصيل الحق لهم؟!

البعض يعتقد أن مخاطبة شعوبنا بما يفهمون ومراعاة عقولهم ونفوسهم، ودعوتهم للحق والأخذ على أيديهم للصواب وحمل رسالة الدين لهم، هي أشياء يمكن الاستغناء عنها مادمنا قادرين على تحقيق أهدافنا بدونهم، وكأننا لا نخاطب عموم الأمة إلا إذا كنا محتاجين إليهم سياسيا وعسكريا!،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت