فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 117

المؤمنة فحينها لم يأذن الله للمسلمين أن يعملوا من داخل المنظومة بل جاء أمر الله بالهجرة، وهكذا مفاصلة بعد مفاصلة.

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرك أصحابه لاختراق دار الندوة ولم يدفعهم لمداهنة المشركين في بعض قيمهم بغية إصلاح قيم أخرى أو سلوك آخر، إن ثورة الإسلام على هذه القيم كانت دعوة في زمان ثم تحولت إلى هجرة في زمان آخر وانتهت بالجهاد والمواجهة، فليس السلوك هو ما يدل على الثورة بقدر ما يدل عليها القيم التي خلف السلوك، وفي الإسلام القيمة الرئيسية خلف كل هذه السلوكيات من دعوة وهجرة وجهاد كانت (مفاصلة الجاهلية ومباينتها اعتقادا وقولا وعملا)

هذه المفاصلة كانت هي الحافظة لمنهج التوحيد من الاختلاط والالتباس، إنها مفاصلة جعلت الإسلام إسلاما والجاهلية جاهلية، معسكرين لا يختلط أمرهما على الناظر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثير"

نعم ليلها كنهارها لوضوحها وظهورها فهي لا تلتبس بغيرها ولا يزيغ عنها إلا هالك!

وهنا نقول أن الجاهلية ليست بالمعنى المختزل الذي يظنه البعض، فالكلمة وإن صارت تدل على قوم بعينهم وفترة زمنية محددة إلا أن وصفها مازال ساريا، ومعركة الإسلام معها قائمة حتى قيام الساعة، وإننا لا نجد غضاضة ولا حياء في وصف النظام العالمي اليوم قيما وسلوكا"بالجاهلية الحديثة"، إنها جاهلية دين ودنيا، والجاهلية أيضا ليست منحصرة في جانب القيم العقدية كما يظن البعض، بل للجاهلية سلوك تُعرف به، وقد قال تعالى في خطابه مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) ، فنسب سلوكا شخصيا لجاهلية كانت قائمة، وإننا اليوم ننسب قيم وسلوك النظام العالمي لجاهليته الحديثة، فهي رأسمالية الجاهلية، وإمبريالية الجاهلية، وهيمنة الجاهلية، هذا إضافة لكونهم على كفر الجاهلية!

ومن هذه النقطة في الحديث عن الجاهلية نتكلم عن القيمة الثالثة للثورة ونظرة الإسلام لها وهي قيمة (الجماهيرية) وعلاقة ذلك بوصفنا للمعركة بأنها معركة إسلام وجاهلية، وهي نقطة تحتاج إلى أن نفصل القول فيها لأنني مازلت أعتبر أنها من أكبر عوائق التغيير اليوم وتطلب من القارئ الكريم تركيزا شديدا

جاهلية العدو لا الشعوب:

إن الجاهلية مصطلح يعني مناقضة الإسلام، وإننا لا نصف بها اليوم إلا العدو، فالجاهلية الكاملة تعني الكفر، إلا أننا كمسلمين قد نقع في عنصر من عناصر تلك الجاهلية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين قال لبلال يا ابن السوداء قال له صلى الله عليه وسلم: (إنك امرؤ فيك جاهلية) ولم يقل له: (إنك امرؤ جاهلي) لأن معنى أن الشخص جاهلي هو أنه غير مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت