فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 117

ثالثا: الجماهيرية أو الرسالية:

الرسالة معناها وجود مرسِل ومرسَل له، فحاملو الرسالة ومرسلوها هم من يسمون (الطليعة الثورية) ، والذين يستقبلون الرسالة ويتم حملها إليهم هم (الجماهير) ، ولذلك لا معنى للرسالة إذا كان الجماهير لا يفهمونها ولا يعقلونها، لأنهم المستهدفون بها، ولذلك عبرنا عن هذه القيمية بالجماهيرية ويمكن أن نعبر عنها أيضا بالرسالية، ونعني بهذا: (وجود رسالة واضحة للثورة يفهمها الجماهير)

فإنه لا يوجد معنى للثورة ما لم يكن للثوار رسالة واضحة يحملونها إلى الجماهير، وكل الثورات تحتاج إلى طليعة ثورية ناضجة، لها رسالة تعليها وتحميها وترعاها وتحققها وتحرك الجماهير بها، بدون هذه الطليعة صاحبة الرسالة الواضحة لا يمكن أن يتحقق التغيير الثوري، والجماهير إذا تحركت بلا طليعة فإن تحركها يكون عشوائيا، سريعا ما يتحول إلى تحرك ترقيعي يسهل احتواؤه.

ولم تنجح أي ثورة في التاريخ بدون أن يمتلك محركوها رسالة واضحة وخطابا أفقيا يفهمه الشعب ويتجاوب معه على اختلاف ثقافاته وطبقاته، وإذا لم يكن الشعب مؤهلا للتحرك في قضايا الثورة ولا يوجد بداخله أي باعث للتغيير فعلى الطليعة الثورية حينها أن تبدأ فورا في إيجاد هذا الباعث في الشعب عبر"صناعة الوعي"، وصناعة الوعي هي معركة الثورة الأولى وأخطر وأهم وأصعب مراحلها، وصناعة الوعي لا تعني الكلام فقط، بل أعظم صناعة للوعي الجماهيري هو ما تكون القوة حاضرة فيه، فالقوة هي التي تدفع المعركة الثورية للأمام وبدونها فالثورة وهم، فبعيدا عن كون القوة تحمي الثورة وتردع خصومها إلا انها أيضا تدفعها للأمام، وتبرز رسالتها، فهي كالمحرك الدافع داخل السيارة (الموتور) ، فالسيارة لو اكتمل كل أجزائها بدون (الموتور) فستظل في مكانها بدون تقدم أبدا، مهما كان شكلها جميلا، وكذلك المحرك وحده (الموتور) بدون استكمال باقي أجزاء السيارة لا يتحرك ولا يوصلك إلى الهدف الذي تسعى للوصول إليه، أما لو اكتملت أجزاء السيارة مع الموتور وافتقدت إلى الطريق والهدف فهذا أسوأ وأسوأ، ولذلك نقول أن الثورة الحقيقية تحتاج إلى فكر ورؤية ورسالة وقدرة على الوصول إلى الجماهير، إضافة إلى القوة التي ستدفع كل ذلك للأمام.

وبذلك تفهم أن العنف عند الكيان الثوري ليس سلوكا منزوع السياق ولا منفصلا عن رسالته واتصاله بالجماهير وإلا أصبح كالمحرك الذي تم انتزاعه عن باقي أجزاء السيارة كيف يمكن الاستفادة منه؟!

وهذا أهم ما يفرق العنف الثوري عن العنف لدى كثير من"التنظيمات المسلحة"غير الثورية التي عزلت نفسها في خطابها وأهدافها ورؤيتها عن الجماهير، فأصبحت لا تحرص على تصدير فكرة ورسالة واضحة لتحركاتها تخاطب بها الجماهير، فهي تتبنى عنفا لا رسالة له، أو له رسالة لكنها مشوهة، وأحيانا يصبح العنف لدى هذه التنظيمات المسلحة هو عين الرسالة التي تحملها! فيصبح العنف هو رسالتها، ورسالتها هي العنف، وفي الحقيقة العنف في ذاته لا يصلح أن يكون رسالة ثورية تستنهض الجماهير، بل العنف الثوري هو في النهاية خادم لرسالة أخرى تحملها الثورة وتوجهها للجماهير وتسعى لتحريكها به، وكلما وضحت رسالة الثورة وزادت عمقا ونقاء كلما تضاعفت قوتها وأصبحت التحركات الثورية أكثر تأثيرا وأقدر على تحريك الجماهير واكتساب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت