فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 117

فلو افترضنا أن هناك جماعة من البشر يعيشون على أرض لا ثروات فيها ولا مصالح ولا يوجد لها أي ميزة أبدا، فإن الاحتلال والتمدد الإمبريالي لن ينظر إلى تلك الأرض ولن يحرك ساكنا تجاهها، بينما سيتحرك الفتح لها برسالته حتى لو كان هذا سيتطلب أن يأتي الفاتحون بالثروات لأهل هذه الأرض من بعد فتحها، فالبشر هم قبلة الفتوحات!!

ولو افترضنا كذلك أن أهل أرض ما لم يقفوا أمام عبور فكرة الفاتحين ولم يواجهوها فإنهم يظلون أصحاب الأرض ولا تؤخذ منهم، بينما في الاحتلال فالقبلة هي الثروات بعيدا عن أفكار الناس تماما وعما يعتنقونه.

في الاحتلال الإمبريالي هناك مركز تُصب فيه الثروات على حساب الأطراف والهوامش التي يتم احتلالها وسحق واستعباد أهلها، فالكل في خدمة الإمبراطورية الأم، بينما لو نظرنا إلى خريطة المسلمين بعد الفتوحات ستجد أن كل بلد تم فتحها قد صارت مركزا في حد ذاتها بل قد تنقلت عاصمة الخلافة أكثر من مرة في هذه الخريطة.

وأما الفارق التاريخي، فكل احتلال دخل أرضا من الأراضي تم طرده منها حتى ولو مكث فيها مئات السنين، لأنه دخل بقوته المادية فقط بلا أي رسالة، والقوة المادية لا تدوم، بينما في حالة الفتوحات فنحن أمام شعوب اعتنقت دين الفاتحين، بل ولغتهم في كثير من الأحيان، وذابت فيهم وصارت جزءا من أمتهم، ككل الدول العربية والمسلمة اليوم، فأهل السودان أنفسهم هم من أسلموا، وأهل مصر هم من أسلموا، وأهل المغرب هم من أسلموا، وأهل الشام هم من أسلموا، بل وشاركت هذه الشعوب مع الفاتحين بعد ذلك في الفتوحات الجديدة وتوصيل الرسالة للشعوب الأخرى، هذه هي الصورة المنضبطة للفتح، نقول هذا رغم أنه في العصور المتأخرة انحرفت قبلة التمدد وصارت في كثير منها أقرب للتمدد العسكري الاحتلالي وليس للفتوحات للأسف، وهو ما ضر الأمة بعد ذلك ولم ينفعها.

خاتمة:

ما ذكرناه كله يكشف لك زيف ما أسميه محاولات (أسلمة الواقع) فالإسلام ليس بضعة شعارات يتم رفعها ثم ينتهي كل شيء، وليس مجرد عمامة نريد أن نلبسها هذا الواقع الفاسد ثم نكذب على الله وعلى أنفسنا ونقول أنه واقع"إسلامي"، وليس مجموعة أشخاص في السلطة سنقوم بتغييرهم بآخرين لهم لحية بينما شكل الدولة والمجتمع والنظام كما هو، إن من يفعل ذلك ويوهم الناس أن هذا هو الإسلام فقد أجرم في حق الدين جرما كبيرا، كأولئك الذين تصالحوا مع الرأسمالية ومع المنظومة النقدية الدولية ثم أزالوا الربا من البنوك فحسب وسموها بنوكا"إسلامية"ولا أدري أين الإسلام في هذا!!

إن ما ذكرناه حول وجود نظام سياسي في الإسلام له فلسفته المستقلة وتاريخه الخاص وتراكمه الحضاري يدركه أعداؤنا جيدا، وهو بالفعل عين ما أشرنا إليه عند الحديث عن عناصر القوة في الإسلام فذكرنا أن أول عنصر هو (اكتماله القيمي والتشريعي) وبذلك تكون قد فهمت بوضوح لماذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت