للبشر، الجمادات سُخرت للأحياء وليس العكس! .. المجتمع بكل أفراده هم محل الاهتمام، هم القوة، هم المركز، والحاكم يموت من أجلهم لا العكس! ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِهِ وَيُتَّقَى بِهِ".
جنة: أي ستر ووقاية
وإن الإسلام حينما شرع للمسلم الموت دفاعا عن المال والأرض ليس لأن الجمادات أكثر قدسية من المسلم، وإنما لأن حرمة أرض المسلم وماله وعرضه هي جزء من حرمته تابعة لها، فالجمادات مهما كان لها من حرمة فسيظل المسلم أعظم حرمة منها، حتى لو كانت الكعبة نفسها، ولذلك ورد عن ابن عمر أنه نظر يوما إلى البيت - أو إلى الكعبة - فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك.
بل جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن زوال الدنيا كلها أهون عند الله من قتل رجل مسلم، فكيف تكون الجمادات إذن أعظم حرمة وقدسية من الناس!
هذه الصنمية للدولة ليست موجودة فقط في بلادنا بل هي أصلا مستوردة من الغرب كما بينا دخيلة علينا.
وهنا يظهر الفارق بين سيادة الشعب الوهمية في الدول الديمقراطية اليوم، وبين مركزية المجتمع الذي يسوده الحق في النظام السياسي في الإسلام.
الفارق بين الاحتلال الإمبريالي والفتوحات الإسلامية القديمة:
وإذا كان النظام السياسي في الإسلام مركزيته المجتمع، فإن المجتمع في الإسلام مركزيته الإسلام، فتصبح العلاقة تبادلية، فالمنهج يدفع نحو حماية الناس، والناس يتحركون لحماية المنهج وإقامته، ولذلك لا انفصال بين الدين والدنيا، ولا بين الحق ومصالح العباد، كلا الأمرين يدفع نحو الآخر، فلا هي رسالة بلا مادة، ولا هي قوة مادية بلا رسالة.
والفارق بين مركزية المجتمع في النظام السياسي في الإسلام، وبين صنمية الدولة في النظم الحالية، هو نفس الفارق بين"الفتوحات"وبين الاحتلال والتمدد الإمبريالي.
الفتح هو حركة عبور للأفكار، والأفكار يتبناها البشر، ولهذا فالبشر هم قبلة الفتوحات، الفتوحات تتجه نحو البشر حاملة رسالة إليهم، والأفكار قد تحتاج في رحلة عبورها إلى قوة تكسر السلطة التي تعيق وصولها للناس، بينما الاحتلال هو بحث عن المصالح، والمصالح توجد حيث توجد الثروات، ولذا فالثروات هي قبلة الاحتلال، فالمحتلون يتجهون نحو الثروات بسلطة لا رسالة لها، بل قد يحتاج الاحتلال في رحلة عبوره إلى الثروات إلى قتل البشر واستعبادهم، وقد يحتاج إلى سحق الأفكار التي تعيق مصالحه حتى ولو كانت أفكار حق.