فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 269

الوقفةُ الثانيةُ: مع ما دعا إليه الشيخُ، وأذكرُه ليضعَه الإخوةُ نصبَ أعينِهم، فإنَّ الشيخَ -رحمه الله- كما عرفنا عنه مِن شهاداتِ مَن عرفَه، وكما سمعنا مِنه في خطبتِه الأخيرةِ، وكما سمعنا من إخوانِه في جماعة جند أنصار اللهِ، وكما صرحوا مرارًا في بياناتِهم، إنَّه لم يكن يُكفِّرُ المنتسبين إلى حماسَ فضلا عن تكفير عامَّةِ الشَّعبِ، ولم تكن دعوتُه الاقتتال مع حماس، ولا البداءةُ معهم في حربٍ، بل كان همُّه نشرُ دعوتِه بالحجةِ والبرهانِ، وهو ما كان، حتى انتشرَت دعوتُه وأحبَّه الناسُ؛ فلم ترَ حماسُ سبيلًا إلى منعِه إلا القوةَ، فأنَّى لمنهجها الزائفِ المتهافتِ المصطنعِ أن يقفَ في ميدان الحجةِ نِدًّا لما يدعو إليه الشيخُ السلفيُّ؟ فكان أن رأت حماسُ -وحتفُها فيما رأت- أن تمنعه بالقوةِ مِن الدعوةِ إلى اللهِ لئلا تزاحمَ حركتَهم دعوةٌ، فأرسلَت إليه وكان ما كان مما رأينا .. فينبغي التنبُّه إلى أنَّ إعلان الشيخِ الإمارةَ إنما هو مبرِّرٌ وذريعة لقتالِه، وأما سببُ القتالِ: فهو دعوتُه التي انتشرَت وحجَّتُه التي انتصرَتْ، وإلا فهل كان الشيخُ معلنًا لإمارةٍ لما أرسلوا إليه يريدون أخذَ مسجدِه؟ وهل كانت جماعة جند الله قد بايعت إمارةً لما أخذت حماسُ عتادها الذي تقاتِل به اليهود ثم حاولت أسر أبي عبد الله المهاجر لتسليمِه للمصريين؟ وهل أبو حفصٍ أميرُ جيش الأمةِ قد أعلن إمارةً أو بايعَ أميرًا؟ وهل مئات الشبابِ الذين تطاردُهم حماسُ وتأسرُهم وتعذبُهم -ويطلق جلاوزتها النارَ على مفاصل ركبهم وأكتافهم تنكيلًا- قد أعلنوا أو بايعوا إمارةً؟ الأمرُ بيِّنٌ لغيرِ مَن أعماه هواه.

فالذي يُجزَمُ به وهو ظاهرٌ لقاصدِ الحقِّ مريدِ الإنصاف: أنَّ حماسَ تكذبُ إذ تدَّعي أن الشيخَ وجماعةَ الجند يكفرونَ المنتسبين إليها، أو يدعون لقتالِها ابتداءً، أو تركوا قتال اليهودِ بحجةِ كفرِ حماس أو كفرِ عامةِ أهل غزة، أو أنَّ هؤلاء يفجرون الأعراسَ ومحالَّ الفسادِ، وقد كان الأميرُ أبو عبدُ الله المهاجر -تقبله الله- مثلَ شيخِه: ينهى عن ذلك، ويردُّ مَن يثير تلك المسائلَ ولا يقبلُه في تنظيمِه، فما هذه التهمُ إلا تَكرارٌ لأكاذيبَ يقتفون فيها سنةَ فرعون وكلَِّ طاغيةٍ (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يُظهِر في الأرضِ الفسادَ) .

قال تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) ، وما نالَ الشيخَ مِن تشويهٍ، نال من قبلِه دعاةَ التوحيدِ الأنبياءَ وورثتَهم، وهي سنةُ أهلِ الضلالةِ إذا أعيتْهم الحججُ الغالبةُ وليسَت ابتداعًا مِن حماس، وهو أحدُ أنواعِ الأذى التي تنالُ دعاةِ التوحيدِ من الكفَّارِ والمبتدعةِ والجهلةِ وسائرِ المخالفين، وقد قلتُ في حاشيةٍ على الأصول الثلاثة: والأذى للداعيةِ يكونُ مِن المخالفين والجهلةِ على أنواع، فمِنه:

1 -إخراجُه مِن بلدِه ومُطاردتُه في الأرضِ، كما في حديثِ عائشةَ المتقدِّمِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لورقةَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت